داخل أروقة مشرحة مجمع الشفاء الطبي، يمضي الطبيب الشرعي عماد شحادة ساعات طويلة وهو يتنقّل بين الجثث، يوثّق أسباب الوفاة ويبحث عن بصيص هوية وسط أكوام الموتى الذين توافدوا من شمال غرب قطاع غزة. الشهداء الذين يلقون حتفهم يوميًا في محيط منفذ زيكيم، لم يكونوا سوى فلسطينيين جوعى، دفعتهم الحاجة والحرمان إلى الاصطفاف بانتظار شاحنات المساعدات، فكان رصاص الجنود الإسرائيليين أقرب إليهم من رغيف الخبز.
قصص من أجساد الشهداء
الصور التي ينقلها شحادة من داخل المشرحة لا تعبّر فقط عن واقع طبي بحت، بل تكشف عن منهجية قتل مبرمجة، يتجلّى فيها العنف الممنهج والإرادة السياسية باستخدام الجوع كسلاح. لا تقتصر أسباب الوفاة على الرصاص وحده، بل تشمل القذائف، الدهس، التدافع، والخنق، وكلّها مؤشرات على حجم الفوضى والمأساة التي يعيشها المدنيون في لحظات بحثهم عن البقاء.
ورغم تنوع وسائل القتل، فإن أجساد الشهداء تروي قصة واحدة: الجوع. علامات الهزال، الجفاف، والنحول الشديد واضحة في كل جثة تصل، كأنهم ميتون قبل أن تُجهز عليهم آلة الحرب الإسرائيلية. وهنا، تصبح كل طلقة وقذيفة موجّهة نحو أجساد أنهكها الحرمان، مشهداً يتجاوز القتل التقليدي إلى ما يشبه سياسة “القتل البطيء” التي تصاحبها نية مبيّتة للتجويع والإنهاك ثم التصفية.
أكياس الموت
يفضح شحادة تفاصيل دقيقة في تعامله اليومي مع الضحايا: جثث مجهولة، حالات تحلل متسارعة، هياكل عظمية، وشهادات مؤلمة من أهالٍ يبحثون عن أحبتهم بين أكياس الموت. في سابقة لم يعهدها طوال 17 عامًا من العمل في الطب الشرعي، يُقرّ الطبيب بأنّه على وشك توثيق أول حالة وفاة بسبب الجوع، وهو تطوّر خطير يعكس عمق الأزمة الإنسانية في القطاع.
وما يزيد الصورة مأساوية هو استخدام الجيش الإسرائيلي أنواعًا متعددة من الرصاص والذخيرة، بما يدل على تنوّع أدوات القتل وتوسيع رقعة الاستهداف. حتى من يستلقي أرضًا أو يزحف هربًا لا يُعفى من القتل، بحسب وصف الطبيب، مما يعزز فرضية “القرار المسبق” بإبادة من يحاول الوصول إلى شاحنة معونات.
في الوقت نفسه، لا تغيب الأبعاد السياسية عن المشهد. الأمم المتحدة عبّرت عن رفضها للآلية التي تنتهجها إسرائيل في توزيع المساعدات، معتبرة أنها تعمّق النزوح وتربط وصول الغذاء بأهداف عسكرية. التوزيع الانتقائي للمساعدات، ومنع وصولها إلى المؤسسات الدولية، وإجبار المدنيين على التجمهر في نقاط مكشوفة، كلها إجراءات تُظهر كيف تحوّل التجويع إلى أداة تفاوض، بل وإخضاع.
حصار وتجويع
الواقع اليومي في غزة يختزل معاني العدالة الإنسانية المفقودة. أكثر من 1400 شهيد، وقرابة 9300 مصاب من الجوعى الذين سقطوا فقط أثناء محاولتهم تأمين احتياجاتهم الأساسية. وسط هذا المشهد، تتحول الثلاجات في مجمع الشفاء إلى أرشيف صامت لوحشية مستمرة، لا تنتهي برصاصة أو قذيفة، بل تستكملها منظومة حصار وتجويع وإذلال ممنهج.
إنه مشهد يعبّر عن أكثر من مجرد أزمة إنسانية؛ إنه اختبار أخلاقي حاد للمجتمع الدولي، الذي يرى ويسمع ويسجّل، دون أن يُوقف المذبحة اليومية لمنتظري المساعدات في غزة.







