في خطوة مفصلية تنسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، أعلن مجلس الوزراء السعودي العودة إلى نظام الفصلين الدراسيين في التعليم العام بدءًا من العام الدراسي المقبل 2025-2026، وذلك بعد أربع سنوات من تطبيق نظام الفصول الثلاثة.
القرار جاء خلال جلسة المجلس برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مدينة نيوم، ويُعد جزءًا من إعادة تقييم شاملة للعملية التعليمية، من حيث الكفاءة والجودة والمردود.
وزارة التعليم: جودة التعليم لا تُقاس بعدد الفصول
وزارة التعليم ثمّنت القرار، وأكدت أنه نابع من مراجعة دقيقة وتجربة ميدانية واسعة لنظام الفصول الثلاثة. وقالت الوزارة إن الجودة التعليمية لا ترتبط بعدد الفصول الدراسية، بل بمحتوى العملية التعليمية ومكوناتها الأساسية، مثل تأهيل وتحفيز المعلمين وتطوير المناهج وتعزيز البيئة المدرسية وتحسين الحوكمة ومنح المدارس صلاحيات أوسع وتكامل الجهود مع الجهات الحكومية خصوصاً في مكة والمدينة بسبب موسم الحج والعمرة.
الدراسة التي استند إليها القرار شارك فيها تربويون وأولياء أمور وطلاب، وأظهرت الحاجة إلى مزيد من المرونة والتوازن في التقويم الدراسي، بما يناسب التنوع الثقافي والجغرافي داخل المملكة.
إعادة تقييم تجربة الفصول الثلاثة
نظام الفصول الثلاثة الذي طُبق منذ عام 2021 كان يهدف إلى رفع عدد أيام الدراسة لتتجاوز 180 يومًا سنويًا، وهو معيار دولي متقدم بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). ورغم المكاسب التي تحققت، إلا أن مجلس الشورى والجهات التعليمية ظلّت تراقب عن كثب نتائج النظام الجديد، واستجابت الوزارة عبر دراسات علمية وتقييمات ميدانية، أكدت ضرورة العودة للنظام النصفي، مع الحفاظ على الاستفادة من التجربة السابقة.
العام الدراسي الجديد سينطلق رسميًا في 1 ربيع الأول 1447 هـ الموافق 24 أغسطس 2025، وفق تقويم دراسي محدد مسبقًا يمتد لخمس سنوات. القرار يشمل التعليم العام والجامعات ومؤسسات التدريب التقني والمهني، مع صلاحيات مخصصة لبعض المناطق لمراعاة خصوصيتها الموسمية.
خبراء التعليم: أربع دوافع رئيسية وراء القرار
الدكتور عثمان الشقيفي، الباحث في الإدارة التربوية والثقافة التنظيمية، عدّد أربع دوافع رئيسية لقرار العودة إلى نظام الفصلين وهي تخفيف العبء الدراسي على الطلاب والمعلمين والمنظومة التعليمية ككل، وتحسين جودة التخطيط والحوكمة، بما يتماشى مع المعايير التي وضعتها هيئة تقويم التعليم والتدريب، ورفع جودة الحياة المدرسية، من خلال توزيع الإجازات بشكل أكثر توازنًا لتحسين التركيز الذهني والصحة النفسية، وتقليل الحمل المعرفي على الطلاب، بناء على نظرية “سويلر” التي تحذر من كثافة المعلومات في وقت قصير.
وأشار إلى أن النظام الجديد سيسمح بمساحة أكبر للأنشطة البحثية والمناقشات الصفية، ما يعزز من مهارات التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلاب.
تعزيز المرونة في منظومة التعليم
وزارة التعليم أكدت أن نظام الفصلين لن يكون على حساب التنوع، حيث ستستمر بعض المؤسسات التعليمية مثل الجامعات، والمدارس العالمية، ومدارس التعليم الأهلي في اعتماد النظام الذي يناسب طبيعة نشاطها.
كما تم منح إدارات التعليم في بعض المناطق مثل مكة المكرمة، المدينة المنورة، جدة والطائف صلاحيات إضافية لمواءمة التقويم مع المواسم الدينية والأنشطة المجتمعية.
خطوة تتماشى مع رؤية 2030
القرار يُعد حلقة جديدة في سلسلة الإصلاحات الكبرى التي تقودها المملكة في التعليم، ضمن برنامج تنمية القدرات البشرية، الذي يسعى لتأهيل جيل سعودي منافس عالميًا، قادر على الإبداع والابتكار والتفكير النقدي، في ظل منظومة تعليمية مرنة ومتطورة.
نظام الفصلين يمنح المؤسسات التعليمية فرصة أكبر للتخطيط، وضبط جودة التدريس، وتفعيل المبادرات النوعية، دون الضغط الناتج عن اختبارات متكررة ومواعيد دراسية متقاربة، ما يصب في صالح بناء بيئة تعليمية أكثر استقرارًا وفاعلية.
هل تنجح العودة إلى الفصلين في تحسين مخرجات التعليم؟
رغم التحديات، فإن المؤشرات الأولية والدوافع العلمية وراء القرار تبشر بنتائج إيجابية. عودة الفصلين تمثل محاولة لإيجاد توازن بين الكم والكيف في التعليم، مع الحفاظ على استدامة العملية التعليمية وتحسين الأداء المعرفي والسلوكي للطلاب.
الأنظار تتجه الآن إلى العام الدراسي الجديد، الذي سيكون بمثابة اختبار حقيقي لنجاح هذا التحول، ومدى قدرة النظام التعليمي على التكيّف وتقديم محتوى عالي الجودة في إطار زمني أكثر بساطة واستقرارًا.







