تشير المعطيات المتداولة حول مناقشة المجلس الوزاري المصغر في إسرائيل (الكابينت) لخطة إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل، إلى تصاعد التوتر داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل، وعودة إلى خيارات عسكرية لطالما وُصفت بأنها باهظة التكاليف استراتيجيًا وبشريًا. التحرك نحو هذا الخيار لا يعكس فقط إصرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الحسم العسكري، بل يعبّر كذلك عن حجم الضغوط التي تمارسها عليه أطراف اليمين المتطرف داخل الائتلاف الحكومي، التي تسعى إلى إعادة تعريف أهداف الحرب بما يتجاوز ضرب “حماس” إلى فرض واقع ديمغرافي وجيوسياسي جديد في غزة.
انقسام سياسي وعسكري
تكشف التسريبات عن انقسام حاد بين المستوى السياسي والمستوى العسكري في إسرائيل. فبينما يدفع نتنياهو باتجاه عملية عسكرية واسعة تشمل احتلال القطاع، يحذر الجيش الإسرائيلي، ممثلًا برئيس الأركان إيال زامير، من أن هذه الخطوة تشكل “فخًا استراتيجيًا” سيجرّ الجيش إلى معركة طويلة الأمد، ويفتح الباب أمام انتكاسات داخلية، ليس فقط على مستوى الخسائر العسكرية، بل أيضًا على صعيد تداعيات العملية على الرهائن المحتجزين، واحتمالات قتلهم سواء خلال المعارك أو بيد آسريهم.
خطة الاحتلال الكامل، وفق ما نشرته صحيفة “معاريف”، لا تتوقف عند الحسم العسكري بل تتجه نحو فرض حكم عسكري في القطاع، وإعادة صياغة الواقع السكاني عبر تهجير الكتلة البشرية من شمال ووسط القطاع إلى الجنوب، وربما إلى خارج الحدود، كما يُلمح بعض المحللين. هذا الطرح ينسجم مع ما يشبه “رؤية استراتيجية” لبعض وزراء اليمين الإسرائيلي، الذين يرون في غزة أرضًا يجب “تحريرها” من الفلسطينيين، وليس فقط من حكم حماس. وهو مسار يتقاطع مع مخططات استيطانية قديمة، تعود إلى ما قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005.
إجبار حماس على تقديم تنازلات
من جهة أخرى، فإن المؤسسة العسكرية، على الرغم من تحذيراتها، لا تعارض كليًا خيار توسيع العمليات، لكنها تسعى إلى تأطيره ضمن خطة أقل طموحًا، تقوم على تطويق غزة والضغط العسكري المركّز لإجبار “حماس” على تقديم تنازلات تتعلق بتسليم الأسرى أو القبول بوقف إطلاق نار بشروط إسرائيلية. في هذا السياق، يمكن فهم تصريحات رئيس الأركان بأنها محاولة مزدوجة: من جهة توثيق الاعتراض المهني على الخطة، ومن جهة أخرى إبداء الجاهزية لتنفيذ القرار السياسي، ما يحفظ توازن المؤسسة العسكرية أمام أي مساءلة مستقبلية.
ما يعزز هذا التقدير هو استدعاء الجيش الإسرائيلي لجميع الفرق النظامية وتجهيز عشرات آلاف جنود الاحتياط تحسبًا لأي عملية شاملة، وهو مؤشر على أن السيناريو العسكري موضوع على الطاولة بجدية، وأن الاستعدادات اللوجستية قائمة، بانتظار القرار السياسي النهائي.
شبح الاجتياح الكامل لغزة
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فيبدو أن الولايات المتحدة تتعامل مع التصعيد الإسرائيلي من زاوية مزدوجة: دعم عسكري وسياسي صريح لإسرائيل، مع إدارة ناعمة للنتائج الإنسانية المحتملة عبر زيادة مراكز توزيع المساعدات. وهذا ما يفسر تصريحات مسؤولين أميركيين حول مضاعفة الجهد الإنساني، في وقت يلوح فيه شبح الاجتياح الكامل لغزة مجددًا. هذه المقاربة تهدف في جانب منها إلى “نزع الذرائع” من المقاومة الفلسطينية، وتحميلها المسؤولية عن انهيار الوضع الإنساني، وهو ما حدث سابقًا قبل اجتياح رفح.
فإن أي قرار باحتلال قطاع غزة سيؤسس لمرحلة جديدة من الحرب، ليس على مستوى المواجهة العسكرية فحسب، بل في طبيعة الصراع السياسي والديموغرافي على الأرض. الخلاف بين الجيش والحكومة لا يدور حول منطق الحرب بقدر ما يتمحور حول حدودها وأهدافها وتكلفتها. وبينما يراهن نتنياهو على فرض واقع جديد بالقوة، تتحرك المؤسسة العسكرية بحذر مدركة أن الطريق نحو غزة ليس فقط مفخخًا بالألغام، بل أيضًا بالأثمان الاستراتيجية الثقيلة التي قد تدفعها إسرائيل لعقود قادمة.







