منذ بدء الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تحوّلت عمليات الإنزال الجوي للمساعدات الإنسانية، التي يفترض أن تخفف من معاناة السكان المحاصرين، إلى مصدر جديد للموت والخطر، وفق ما كشفه المكتب الإعلامي الحكومي في غزة. فقد أعلن المكتب، السبت 9 أغسطس، أن عدد ضحايا هذه العمليات ارتفع إلى 23 شهيدًا و124 إصابة، مع تأكيده أن غالبية تلك الإنزالات تتم في مناطق تقع تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي أو في أحياء أُفرغت قسريًا من سكانها، مما يضع من يقترب منها تحت تهديد الاستهداف المباشر.
تفاقم المعاناة
هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ سبق أن وثّق المكتب حالات مأساوية مماثلة، من بينها حادثة العام الماضي حين سقطت شحنات مساعدات في البحر، ما أدى إلى غرق 13 مدنيًا فلسطينيًا كانوا يحاولون الوصول إليها بدافع الجوع واليأس. ويؤكد البيان أن جزءًا من هذه المساعدات يسقط في أماكن مكتظة بالمدنيين، مما يزيد من مخاطر التدافع والإصابات، أو في مناطق يصعب الوصول إليها، ما يجعلها، في أفضل الأحوال، عديمة الجدوى.
المكتب الإعلامي شدد على أن هذا الأسلوب “غير الإنساني” في إيصال المساعدات لا يحقق أي هدف إنقاذي، بل يفاقم المعاناة ويخلق بيئة من الخوف والفوضى. وأعاد التذكير بمطالبه المتكررة بضرورة إدخال المساعدات عبر المعابر البرية بشكل آمن وكافٍ، وبخاصة المواد الغذائية الأساسية، حليب الأطفال، الأدوية، والمستلزمات الطبية، معتبرًا أن أي حل مستدام للوضع الإنساني في غزة يمر حتمًا عبر قنوات إمداد برية منظمة، وليس عبر عمليات إسقاط عشوائية من الجو.
هندسة التجويع والفوضى
في السياق ذاته، اتهم المكتب الاحتلال الإسرائيلي باتباع سياسة ممنهجة لـ”هندسة التجويع والفوضى”، مشيرًا إلى أن هذه السياسة تحظى بدعم مباشر أو غير مباشر من الإدارة الأمريكية ودول أخرى “منخرطة في الإبادة الجماعية”. وحمّل هذه الأطراف، إلى جانب المجتمع الدولي، المسؤولية الكاملة عن تفاقم الكارثة الإنسانية في القطاع. كما دعا إلى تحرك عاجل وجدي لفتح المعابر وتدفق المساعدات بلا قيود أو عراقيل، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى مزيد من الوفيات وانهيار ما تبقى من مقومات الحياة المدنية.
بهذه المعطيات، يبدو أن قضية الإنزال الجوي للمساعدات في غزة لم تعد مجرد نقاش حول كفاءة أو سرعة إيصال الإغاثة، بل تحولت إلى ملف إنساني-سياسي يثير تساؤلات عميقة حول نوايا الأطراف الفاعلة، ومدى احترامها لحق المدنيين في حياة آمنة وكريمة وسط أجواء الحرب والحصار. إذ تطرح أرقام الضحايا، وطبيعة المناطق المستهدفة بالإنزال، علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كانت هذه العمليات وسيلة إغاثة حقيقية أم جزءًا من منظومة أوسع لإدارة الصراع على حساب أرواح المدنيين.






