تسري في الكواليس السياسية أحاديث عن مفاوضات غير معلنة بين جنوب السودان وإسرائيل، تهدف إلى صياغة اتفاق يقضي بترحيل أعداد من الفلسطينيين من قطاع غزة، الذي أنهكته الحرب المستمرة منذ ما يقرب من عامين، إلى الدولة الأفريقية الغارقة في أزماتها الداخلية. ثلاثة مصادر مطلعة – فضلت عدم الكشف عن هويتها – أكدت أن الاتفاق لم يوقع بعد، لكن المشاورات بين الطرفين متواصلة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات جيوسياسية بالغة التعقيد.
الفكرة، كما تتسرب من مصادر متعددة، تقوم على نقل مدنيين من القطاع إلى جنوب السودان، الدولة التي تشهد منذ استقلالها عام 2011 موجات متتالية من العنف الداخلي، يغذيها صراع على السلطة وانقسامات إثنية عميقة. وإذا ما نُفذت الخطة، فإنها ستضع المهجّرين في بيئة هشة، تفتقر للاستقرار الأمني والسياسي، ما يثير تساؤلات عن جدوى الطرح وأهدافه الحقيقية، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع الإنساني في غزة وتفاقم المعاناة تحت الحصار والقصف.
على الضفة الإسرائيلية، يبدو أن الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو تسعى إلى توظيف الحرب وما خلّفته من دمار كفرصة لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والسياسية للقطاع. نتنياهو لم يُخفِ رغبته في توسيع السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل غزة، بل كرر مؤخرًا دعوته إلى “خروج طوعي” للفلسطينيين، في خطاب يعكس توجهاً نحو فرض وقائع ميدانية جديدة.
أما على الجانب الفلسطيني، فجاء الرفض سريعًا وحادًا. قادة فلسطينيون اعتبروا الخطة “غير مقبولة” و”محاولة لتصفية الوجود الفلسطيني في غزة”، مؤكدين أن أي مشروع للتهجير، مهما كان مبرره المعلن، يندرج ضمن مخططات إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، في تكرار لسيناريوهات النكبة التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية.
هذا الطرح يثير كذلك مخاوف من أن تتحول جنوب السودان، بما تحمله من هشاشة أمنية وفقر مدقع، إلى محطة مؤقتة قبل تفريغ الفلسطينيين من أي أفق للعودة أو الاستقرار الكريم، وهو ما يجعل القضية برمتها أبعد بكثير من مجرد “اتفاق ثنائي”، بل جزء من إعادة رسم الخريطة السياسية والديموغرافية للمنطقة، بأدوات أكثر هدوءًا من الحرب المباشرة، لكنها لا تقل خطورة عنها.







