انطلقت في ليبيا، أمس السبت، المرحلة الثانية من انتخابات المجالس البلدية، في ظل أجواء مشحونة سياسياً وأمنياً. وقد انتشرت قوات الأمن في محيط مراكز الاقتراع لضمان سير العملية، وسط تحذيرات متكررة من محاولات استهدافها أو تعطيلها.
وشهدت بعض المناطق تعزيزات أمنية غير مسبوقة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها السلطات في تأمين هذا الاستحقاق المحلي.
قرارات بتعليق العملية في عدد من البلديات
أكد عضو مجلس مفوضية الانتخابات، عبد الحكيم الشعاب، خلال مؤتمر صحافي في طرابلس، أن المفوضية أصدرت قرارات باعتماد 63 دائرة انتخابية، مقابل تعليق الانتخابات في 13 بلدية، ووقف العملية في 16 بلدية أخرى بأوامر من الحكومة. وبهذا يصبح إجمالي البلديات التي توقفت فيها العملية 26 بلدية.
وأوضح الشعاب أن مراكز الاقتراع فُتحت في 26 بلدية، بينما جرى ترحيل موعد الانتخابات في 7 بلديات إلى 23 من الشهر الحالي، نتيجة أعمال عنف واشتباكات مسلحة حالت دون انطلاقها.
قلق أممي وتحذيرات غربية
أبدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أسفها العميق لحرمان عشرات البلديات من ممارسة حقها في اختيار ممثليها المحليين، مؤكدة أن تعطيل العملية الانتخابية يقوض فرص بناء مؤسسات منتخبة قادرة على خدمة المواطنين.
وفي السياق نفسه، عبّرت السفارة البريطانية عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بمحاولات «عرقلة الديمقراطية»، معتبرة أنها تهدد قدرة الليبيين على اختيار قياداتهم المحلية، وتفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات.
خلافات سياسية واتهامات متبادلة
تزامن الاستحقاق مع تبادل الاتهامات بين القوى السياسية المتنافسة في ليبيا. ففي حين اتهمت أطراف محسوبة على الحكومة في طرابلس خصومها بالسعي لتعطيل الانتخابات لاعتبارات سياسية، تحدثت أصوات أخرى عن ضغوط مورست على بعض البلديات لإرجاء التصويت.
ويرى مراقبون أن الأزمة الراهنة تكشف استمرار هشاشة الوضع السياسي، في ظل غياب توافق وطني شامل حول القوانين المنظمة للانتخابات، سواء كانت بلدية أو برلمانية ورئاسية.
مستقبل العملية الانتخابية على المحك
تطرح التطورات الأخيرة تساؤلات حول قدرة ليبيا على استكمال العملية الانتخابية في جميع البلديات، في ظل استمرار التوتر الأمني والسياسي.
وبينما تتمسك المفوضية العليا للانتخابات بمواصلة مراحل الاقتراع وفق الجدول المعد، يحذر خبراء من أن تزايد العنف قد يؤدي إلى إرجاء الانتخابات في مناطق إضافية، وهو ما يهدد مصداقية العملية برمتها.
ويؤكد هؤلاء أن المجتمع الدولي مطالب بممارسة ضغوط جدية على الأطراف الليبية لوقف محاولات العرقلة، بما يحفظ المسار الديمقراطي ويمنع الانزلاق إلى مزيد من الفوضى.
مشاركة نسائية لافتة رغم التحديات
على الرغم من المخاوف الأمنية، شهدت مراكز عدة إقبالاً لافتاً من النساء، خصوصاً في طرابلس ومصراتة، حيث أكدت مشاركات أن إصرارهن على الإدلاء بأصواتهن نابع من رغبة في «إثبات حضور المرأة في الحياة العامة» ومواجهة محاولات تهميشها.
أشارت تقارير صادرة عن منظمات مدنية ليبية إلى وقوع بعض الخروقات، بينها تأخر فتح مراكز اقتراع أو منع ناخبين من التصويت لأسباب إجرائية، ورغم أن هذه الحوادث وُصفت بـ«المحدودة»، فإنها أثارت تساؤلات حول مدى استعداد المفوضية لتأمين نزاهة الاستحقاق.
دور القبائل في دعم أو تعطيل العملية
في بعض المناطق الشرقية والجنوبية، لعبت العشائر دوراً محورياً في تحديد مسار الانتخابات، حيث دعمت قبائل معينة استمرار التصويت، فيما ضغطت قبائل أخرى لتعليقه احتجاجاً على تهميش مناطقها في توزيع الموارد والخدمات.
ويرى محللون أن البعد القبلي ما زال عنصراً مؤثراً في مسار التحول الديمقراطي.
عانت مراكز اقتراع في بلديات عدة من نقص في المواد الانتخابية، مثل أوراق التصويت والحبر المخصص للناخبين، وهو ما اضطر المفوضية إلى التدخل السريع لتوزيع إمدادات إضافية. وأثارت هذه المشكلات جدلاً حول مدى جاهزية السلطات لتنظيم اقتراع على نطاق أوسع مستقبلاً.
هل تنجح ليبيا في إنقاذ مسارها الديمقراطي؟
مع هذه التطورات، يظل السؤال الأبرز: هل تتمكن ليبيا من تجاوز العراقيل السياسية والأمنية واللوجستية التي تواجه الانتخابات البلدية، أم أن استمرار العنف والانقسامات سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويقوض فرص البلاد في بناء مؤسسات منتخبة قادرة على إدارة شؤون المواطنين؟






