قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي المضي قدماً في بناء مستوطنة جديدة بالقدس الشرقية، كما أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، يضع ملف الاستيطان مجدداً في صدارة المشهد الدولي، ويكشف حجم التحدي الذي تمارسه حكومة الاحتلال في وجه القانون الدولي والقرارات الأممية. المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سارعت إلى إدانة الخطوة، مؤكدة عدم قانونيتها واعتبارها تهديداً مباشراً للسكان الفلسطينيين بخطر الإخلاء القسري، الأمر الذي يصنف في خانة جرائم الحرب وفق القانون الدولي الإنساني.
هيمنة استعمارية جديدة
البرنامج الاستيطاني الجديد يربط بين مستوطنة “معاليه أدوميم” والقدس المحتلة، وهو ما يعني عملياً توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية وقطع أوصال الضفة الغربية، بما يُجهض أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. سموتريتش لم يُخفِ الأهداف السياسية لهذه الخطة، حين صرح علناً بأن حكومته تسعى إلى “دفن فكرة الدولة الفلسطينية نهائياً”، بل وتوعد بأن أوروبا، التي تلوّح بالاعتراف بفلسطين، لن تجد “ما تعترف به” مع حلول سبتمبر. هذه اللغة تكشف بوضوح أن الاستيطان لم يعد مجرد سياسة أمر واقع، بل أداة صريحة لتصفية القضية الفلسطينية على الأرض.
الجانب الأخطر في المشروع يكمن في مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية واستثمار مليارات الشواكل لإحداث تغيير ديمغرافي واسع النطاق عبر إدخال نحو مليون مستوطن إضافي إلى الضفة الغربية. هذا المسار لا يقتصر على فرض هيمنة استعمارية جديدة، بل يستهدف تهجير الفلسطينيين قسراً من أراضيهم ومنازلهم، في تكرار لسياسات التطهير العرقي التي رافقت نشأة الاحتلال منذ عام 1948. التحذير الأممي من “الإخلاء القسري” يعكس إدراكاً لخطورة التداعيات، لكنه يظل في حدود الموقف السياسي والحقوقي، بينما يستمر الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض دون رادع عملي.
بيانات إدانة معتادة
على المستوى الإقليمي والدولي، تمثل هذه الخطوة اختباراً جدياً لمدى جدية العواصم الأوروبية والولايات المتحدة في مواجهة سياسات التوسع الاستيطاني. فبينما يعلن سموتريتش أن الاستيطان سيقوّض أي اعتراف أوروبي بدولة فلسطين، يبقى السؤال: هل ستكتفي القوى الكبرى ببيانات إدانة معتادة، أم ستتخذ إجراءات فعلية توقف هذا المسار الذي يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها؟
إن الاستيطان الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية لا يُعد مسألة داخلية كما يحاول قادة الاحتلال تصويره، بل هو جوهر الصراع ولبّ العقبة أمام أي تسوية سياسية. وإذا مضت “إسرائيل” في خطتها لتوسيع “معاليه أدوميم” وربطها بالقدس، فإن ذلك سيُدخل الصراع في مرحلة جديدة عنوانها تغييب الحل السياسي تماماً، وتثبيت واقع الفصل العنصري والتهجير القسري، في ظل غياب ضغط دولي جدي قادر على كبح هذا التوجه.







