يتّضح من المعطيات الصادرة عن نادي الأسير أنّ ما جرى في سجن “الدامون” خلال النصف الأول من أغسطس/آب الجاري لا يمكن اعتباره حوادث منفصلة أو استثنائية، بل هو جزء من سياسة متصاعدة ضد الأسيرات الفلسطينيات في ظل المناخ العام الذي فرضته حرب الإبادة المستمرة. أربع عمليات قمع متتالية في غضون عشرة أيام فقط، باستخدام أدوات عنف ممنهج تشمل التقييد والإذلال العلني والكلاب البوليسية والغاز، تكشف أن إدارة السجون تتعامل مع الأسيرات باعتبارهن ساحة لإعادة إنتاج خطاب السيطرة والعقاب الجماعي.
كسر إرادة المعتقلات
اللافت أنّ هذه الانتهاكات لم تقتصر على العنف المباشر، بل امتدت لتشكّل نمطاً من العقوبات الحياتية المستمرة، بدءاً من الطعام القليل والفاسد، وصولاً إلى غياب أبسط أدوات التهوية والنظافة، ما يفتح الباب أمام أمراض جلدية وانتشار الحشرات وتدهور الوضع الصحي للأسيرات. هذا المستوى من الحرمان لا يبدو عرضياً، بل يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة المعتقلات، وتجريدهنّ من كرامتهنّ الإنسانية عبر تحويل السجن إلى بيئة طاردة للحياة.
من زاوية أوسع، تكشف هذه الشهادات عن استمرار التمييز في منظومة الاعتقال الإسرائيلية، التي تتعامل مع النساء الأسيرات باعتبارهن جزءاً من الجبهة التي يجب إخضاعها. ورغم أن القانون الدولي الإنساني يفرض على قوة الاحتلال واجبات خاصة لحماية المعتقلات، إلا أنّ الوقائع تشير إلى مسار عكسي بالكامل، حيث يتم استخدام النساء كأداة ابتزاز سياسي ونفسي.
امتداد ميداني للحرب
ومع تصاعد عمليات القمع منذ بدء العدوان، تترسخ صورة السجون كامتداد ميداني للحرب ذاتها: أدوات السيطرة على الأجساد والنفوس لا تقل عنفاً عن القصف في الخارج، بل تشكّل “الجبهة الصامتة” التي لا تُرى غالباً في وسائل الإعلام. غير أنّ شهادات الأسيرات تعيد تسليط الضوء على هذه الجبهة وتكسر الصمت المفروض عليها.
إنّ الإصرار على الصمود الجماعي الذي يذكره نادي الأسير يعكس بدوره أن ما تريده إدارة السجون من إذلال متواصل لا يحقق النتيجة المرجوّة بالكامل، بل يدفع إلى تعزيز روح التضامن الداخلي بين المعتقلات. ومع ذلك، يبقى الوضع الراهن خطيراً، إذ إن استمرار هذه الانتهاكات بلا مساءلة أو تدخل دولي جاد ينذر بمزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويضع المؤسسات الدولية أمام اختبار صعب: هل ستبقى صامتة أمام سياسات القمع والتجويع والحرمان الممنهج، أم تتحرك لفرض التزامات القانون الدولي وحماية الأسيرات من انتهاكات يومية تتجاوز حدود الاعتقال إلى جريمة ممنهجة بحق الكرامة الإنسانية؟







