في خطوة غير متوقعة، كشفت الوكالة السورية الرسمية عن اجتماع جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بوفد إسرائيلي، لبحث ملفات أمنية تتعلق بخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في الجنوب السوري. هذا اللقاء لم يكن الأول من نوعه، إذ سبقه اجتماع باريسي أواخر يوليو بين الشيباني ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمير، إلى جانب لقاءات تمهيدية جرت في باكو، ما يؤشر إلى وجود مسار تفاوضي متدرج يجري بصمت منذ أشهر.
نفي متبادل وتصريحات متناقضة
ورغم تداول معلومات عن اقتراب التوصل إلى اتفاق أمني في سبتمبر المقبل، سارعت دمشق إلى النفي عبر تصريحات رسمية. مسؤول الشؤون الأميركية في الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، أكد عدم وجود نية لتوقيع اتفاق برعاية أميركية. الموقف الإسرائيلي لم يبتعد كثيراً عن هذا الخط، إذ أعلنت تل أبيب، عبر تسريبات لصحف محلية، أن المفاوضات لا تزال بعيدة عن أي صيغة مشتركة، وأن الحديث عن لقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع لا يزال مبكراً.
سرية مطلوبة لتفادي التشويش
السرية التي تحيط بالمحادثات تفسرها أوساط مراقبة على أنها ضرورية لتفادي الضغوط الداخلية والإقليمية التي قد تُفشل أي مسار قبل نضوجه. ومن المرجح أن تظل المفاوضات محصورة في دوائر مغلقة حتى موعد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث يترقب البعض إمكانية إعلان تفاهم مبدئي على الأقل.
الولايات المتحدة ودور الضامن
الولايات المتحدة، التي رعت في يوليو الماضي اتفاق وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل بعد تصاعد الغارات على دمشق، تبدو عازمة على لعب دور الضامن لأي تفاهم أمني مقبل. هذا التوجه يحظى بدعم عربي يسعى لتثبيت استقرار سوريا سياسياً وأمنياً، وهو ما قابلته دمشق برسائل تؤكد استعدادها لسياسة حسن الجوار، بما في ذلك تجاه إسرائيل التي طالما اعتُبرت خصماً مباشراً في الجنوب.
معادلة الجنوب السوري
المحادثات لا يمكن فصلها عن الوضع في الجنوب السوري، حيث اخترقت إسرائيل مراراً اتفاق 1974 لوقف الاشتباك من خلال توغلات في القنيطرة ودرعا وصولاً إلى جبل الشيخ. الغارات التي طالت مواقع عسكرية حساسة منذ سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024 شكّلت ضغطاً إضافياً على القيادة السورية الجديدة، التي تسعى اليوم لاحتواء هذه الاختراقات ضمن تفاهمات مباشرة تضمن وقف الاستهداف الإسرائيلي مقابل التزامات أمنية واضحة.
تحديات أمام الاتفاق المرتقب
رغم التسريبات عن موافقة مبدئية على لقاء يجمع الشرع ونتنياهو، إلا أن المعطيات الميدانية تجعل أي اتفاق محفوفاً بالتحديات. فالغارات الإسرائيلية الأخيرة على مقر هيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري تزامنت مع اضطرابات داخلية في السويداء، ما يوضح أن إسرائيل ما زالت قادرة على خلط الأوراق في أي لحظة. ومن ثمّ، فإن نجاح أي اتفاق أمني سيعتمد على قدرة واشنطن على ضمان التزامات الطرفين، وعلى استعداد دمشق لتحمل تبعات سياسية قد تثير انقساماً داخلياً.
إصلاح أمني أم خطوة نحو تسوية أشمل؟
التحرك الدبلوماسي الجاري قد يُقرأ بوصفه محاولة لاحتواء التوتر الأمني الآني، لكنه يفتح أيضاً الباب أمام تساؤلات أوسع: هل يمهّد لاتفاق سلام مستقبلي يعيد رسم خريطة العلاقات السورية – الإسرائيلية، أم أنه مجرد هدنة تكتيكية لتمرير مرحلة حساسة بانتظار ترتيبات أكبر؟







