التقارير الأخيرة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة، وعلى رأسها وكالة “الأونروا” والتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، ترسم صورة مأساوية للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، حيث أعلنت المجاعة رسمياً في محافظة غزة مع توقعات بامتدادها إلى دير البلح وخان يونس خلال أسابيع. هذا الإعلان يمثل لحظة فارقة في مسار الحرب الجارية، ويضع المجتمع الدولي، خصوصاً الأطراف المؤثرة، أمام استحقاق أخلاقي وإنساني غير قابل للتجاهل.
انعدام الأمن الغذائي
التقرير الصادر عن التصنيف المتكامل لا يترك مجالاً للشك أو التخفيف من فداحة الوضع، فهو يشير إلى أن أكثر من نصف مليون شخص يعيشون في “المرحلة الخامسة” من انعدام الأمن الغذائي، وهي المرحلة التي يُعرّفها الخبراء بأنها كارثية، وتتميز بالجوع الشديد، والموت الناتج عن الجوع، والعوز التام، وارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، وهي مؤشرات تشير إلى انهيار شبه كامل في البنية المعيشية للسكان. هذه الأرقام لا تُقرأ كمجرد إحصاءات، بل تمثل أرواحاً على حافة الموت، ما يجعل من استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية مسألة لا يمكن تبريرها بأي ذريعة سياسية أو أمنية.
تصريحات وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، وصفت الوضع بـ”لحظة العار الجماعي”، مشيراً بوضوح إلى أن المجاعة لم تكن نتيجة حتمية للحرب، بل نتيجة مباشرة لإعاقة دخول المساعدات. تحميله المسؤولية للمجتمع الدولي، ولإسرائيل على وجه التحديد، لا يخرج عن السياق القانوني والإنساني الذي يحكم النزاعات، إذ أن منع دخول الغذاء والدواء في مناطق الصراع يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تضمن حماية المدنيين في أوقات الحرب.
القيود الإسرائيلية
من جهتها، تصرّ إسرائيل على نفي وجود مجاعة، وتتهم تقارير الأمم المتحدة بالتحيّز وتستند إلى أرقام تشير إلى دخول أكثر من 100 ألف شاحنة مساعدات منذ بداية الحرب، وزيادة في حجم المواد الغذائية خلال الأسابيع الأخيرة. إلا أن هذا الطرح، رغم ما يبدو عليه من صبغة “رقمية”، لا يجيب عن التساؤل الأساسي: هل هذه المساعدات تصل فعلياً إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها؟ وهل المسارات التي تدخل منها المساعدات كافية لتغطية احتياجات قطاع محاصر يعيش أكثر من مليوني شخص تحت القصف والدمار؟ أم أن المعابر والموافقات تُستخدم كأدوات ضغط سياسي وأمني تتحكم في تدفق المساعدات وفق شروط غير إنسانية؟
الأونروا، من جانبها، أوضحت أن لديها ما يكفي من الإمدادات لملء نحو ستة آلاف شاحنة جاهزة للدخول إلى القطاع، لكنها غير قادرة على إدخالها بسبب القيود الإسرائيلية. المستودعات في الأردن ومصر ممتلئة، بينما يموت الناس جوعاً في غزة، ما يكشف عن مفارقة مأساوية تسلط الضوء على البعد السياسي لإدارة الأزمة الإنسانية. فالمجاعة ليست ناجمة عن ندرة الموارد، بل عن منع وصولها، وهو ما يجعلها في نظر القانون الدولي “مجاعات مصطنعة”، يمكن تجنبها إذا توافرت الإرادة السياسية.
وقف التدهور الإنساني
إزاء هذا المشهد، يبدو أن المساعدات، وإن كانت موجودة، تُدار كأداة ضمن استراتيجية أوسع، تستخدم الضغط الإنساني في إطار تحقيق مكاسب سياسية أو أمنية. هذا التوجه لا يضع فقط حياة المدنيين في خطر، بل يعمّق من الأزمة الأخلاقية التي يواجهها المجتمع الدولي العاجز عن اتخاذ إجراءات فعالة لحماية السكان المدنيين. فالدعوات التي أطلقها المسؤول الأممي لفتح جميع المعابر دون قيود هي الحد الأدنى المطلوب لوقف التدهور الإنساني، لكنها حتى الآن لم تجد آذاناً صاغية.
إن ما يجري في غزة لم يعد فقط أزمة إغاثية، بل قضية عدالة إنسانية. تجاهل التقارير الأممية أو التشكيك في مصداقيتها لا يُغيّر من الواقع شيئاً، بل يؤجج مزيداً من الشكوك حول نوايا المجتمع الدولي، ويقوّض أسس القانون الإنساني الذي يُفترض أن يحمي الأبرياء في أوقات الحرب. ما نشهده هو لحظة اختبار حقيقية للمجتمع الدولي، والنتائج حتى الآن لا تبدو مشرفة.






