قرار الاتحاد اليهودي في نيويورك (UJA) التبرع بمليون دولار لدعم غزة عبر منظمة الإغاثة الإنسانية الإسرائيلية “إسرائيل إيد” فتح نقاشاً عميقاً في الأوساط اليهودية الأمريكية، ليس فقط بسبب حجم المبلغ أو طبيعته، بل لأنه مثّل كسراً لتقليد راسخ بأن أموال الاتحاد مخصصة حصراً لدعم إسرائيل والمجتمع اليهودي. الخطوة التي وُصفت بأنها “زلزال صامت” تعكس تحولات أوسع في علاقة يهود الولايات المتحدة بالقضية الفلسطينية، وفي إدراكهم للتحديات الأخلاقية التي يفرضها استمرار الحرب على غزة.
جدل داخل المجتمع اليهودي
تبرع الاتحاد اليهودي يأتي في لحظة مفصلية، إذ أعلنت هيئات دولية أن غزة دخلت مرحلة المجاعة رسمياً، مع أكثر من نصف مليون شخص يواجهون ظروفاً كارثية من الجوع وسوء التغذية الحاد. لذلك، بدا التوجه الجديد وكأنه محاولة لمواءمة الضمير الإنساني مع المعايير الدولية، في وقت بات من الصعب الدفاع عن سياسة الحصار والتجويع. ومع ذلك، فإن التبرع لم يمر مرور الكرام، بل فجّر جدلاً حاداً داخل المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، انعكس بوضوح على منصات التواصل الاجتماعي وفي الصحافة اليهودية.
أنصار المبادرة رأوا فيها دليلاً على أن القيم الإنسانية تتجاوز الاصطفافات السياسية وأن دعم المدنيين لا يعني بالضرورة التخلي عن الالتزام تجاه إسرائيل. في المقابل، اعتبرها المنتقدون خيانة صريحة، بل ذهب بعضهم إلى حد مقارنتها بمساعدة اليهود للألمان إبان الحرب العالمية الثانية. هذه اللغة الغاضبة تكشف حجم الاستقطاب العاطفي والسياسي الذي ولّده القرار. حتى الداعمين التقليديين للاتحاد عبّروا عن صدمتهم، إذ رأت إحدى المتبرعات من مانهاتن أن أموال عائلتها، التي توارثت دعم الاتحاد لأجيال، لم يكن ينبغي أن تُوجّه خارج إسرائيل.
صدقة زائفة للتجميل الأخلاقي
الصحافة اليهودية زادت الموقف تعقيداً، إذ اعتبرت بعض الأصوات أن التبرع “مربك أخلاقياً” ويمثل “صدقة زائفة للتجميل الأخلاقي”، أي محاولة لتخفيف الانتقادات التي تواجه الجالية اليهودية في أمريكا بسبب ارتباطها بإسرائيل. هذا الخطاب أظهر أن الخلاف لم يعد مقتصراً على جدوى التبرع نفسه، بل تحول إلى نقاش أعمق حول هوية اليهود الأمريكيين ودورهم في الصراع، بين من يرون أن الارتباط غير المشروط بإسرائيل يضر بصورتهم، ومن يعتقدون أن أي حياد أو مساعدة للجانب الفلسطيني تهدد بقاءهم وتماسكهم.
الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن فقط في قيمتها المالية، بل في رمزيتها، إذ كشفت عن تصدع في الإجماع التقليدي داخل المجتمع اليهودي الأمريكي، وهو مجتمع يمثل أحد أهم مصادر الدعم المادي والسياسي لإسرائيل. وإذا ما تكررت مثل هذه المبادرات، فإنها قد تعكس تحوّلاً تدريجياً في أولويات المؤسسات اليهودية الكبرى، من التركيز الحصري على إسرائيل إلى محاولة التوفيق بين الالتزامات الإنسانية وضغوط الواقع السياسي.
اختباراً أخلاقياً للمجتمعات اليهودية
على الجانب الآخر، يظل التبرع نقطة ضوء محدودة أمام أرقام مفزعة: أكثر من نصف سكان غزة يواجهون مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يتجه مئات الآلاف نحو المجاعة مع نهاية سبتمبر 2025. هنا يظهر التناقض الصارخ بين ضخامة الكارثة وحجم الاستجابة الدولية، بما في ذلك هذا التبرع الذي يبدو ضئيلاً أمام حجم المأساة. ومع ذلك، فإن رمزيته قد تفتح الباب أمام مؤسسات أخرى لإعادة النظر في أولوياتها، وربما للضغط على إسرائيل للتخفيف من سياسات الحصار التي تقود إلى الانهيار الإنساني.
في النهاية، كشف قرار الاتحاد اليهودي أن حرب غزة لم تعد مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل باتت اختباراً أخلاقياً للمجتمعات اليهودية في الشتات. الانقسام الذي فجّره التبرع يعكس مأزقاً أعمق: كيف يمكن لهذه المجتمعات أن توازن بين الولاء لإسرائيل والقيم الإنسانية التي لا يمكن التنكر لها في مواجهة صور الجوع والموت؟ السؤال ما زال مفتوحاً، لكنه يؤشر إلى بداية اهتزاز في معادلة الدعم غير المشروط لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.






