منذ السابع من أكتوبر 2023، عملت القيادة الإسرائيلية على صياغة خطاب دعائي يبرر استمرار الحرب على قطاع غزة، مستندة إلى رواية متعددة الأبعاد حول طبيعة حركة حماس وأهدافها. جوهر هذا الخطاب يقوم على تحويل الهجوم إلى نقطة مرجعية لصناعة حالة خوف وجودي داخل المجتمع الإسرائيلي وكسب تأييد دولي لاستمرار العمليات العسكرية، عبر استدعاء صور المحرقة النازية وتشبيهات تنظيم الدولة وربط الحركة بالمحور الإيراني، فضلاً عن اتهاماتها باستخدام المدنيين كدروع بشرية وعرقلة المساعدات.
أسوأ مجزرة منذ المحرقة
أول ملامح هذه السردية تمثلت في استدعاء ذكرى الهولوكوست. فقد سعى نتنياهو منذ اللحظة الأولى إلى وضع هجوم السابع من أكتوبر في سياق إبادة جماعية جديدة، عندما وصفه بأنه “أسوأ مجزرة منذ المحرقة”، محاولاً استدعاء الذاكرة الجمعية لليهود التي تقوم على الخوف من الفناء. هذا التشبيه لم يكن عفوياً، بل كان جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تثبيت فكرة أن ما حدث ليس مجرد عملية مسلحة بل تهديد وجودي للدولة اليهودية. تبنى وزراء آخرون الخطاب ذاته، مثل يوآف غالانت، لتعزيز الوحدة الداخلية في ظل انقسامات سياسية حادة سبقت الحرب.
الخطاب الإسرائيلي حرص أيضاً على تضخيم صورة الفظائع المنسوبة لحماس. تكررت اتهامات تتعلق بالقتل الوحشي وقطع الرؤوس واغتصاب النساء وحرق العائلات، وهي رواية نفت منظمات دولية وجود أدلة ملموسة عليها، لكنها استُخدمت بكثافة في الإعلام والسياسة. بعض هذه الادعاءات جرى ترديده على أعلى المستويات الدولية، كما حدث مع الرئيس الأميركي ترامب الذي كرر رواية نتنياهو عن “ذبح الأطفال” قبل أن يتراجع البيت الأبيض لاحقاً ويؤكد أن بايدن لم يشاهد أي صور بنفسه. هذا التضخيم يهدف إلى بناء سردية أخلاقية تقوم على الفصل بين “بربرية” حماس و”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.
مقارنة حماس لداعش
ولتعزيز شرعية الحرب دولياً، لجأ نتنياهو ووزراؤه إلى مقارنة حماس بتنظيم الدولة الإسلامية، بوصفها الوجه الفلسطيني لداعش. هذا التشبيه يخاطب الوعي العالمي الذي يربط داعش بالإرهاب الوحشي، وبالتالي يخلق حالة من الدعم الغربي لإسرائيل باعتبارها تقاتل “التطرف الإسلامي العابر للحدود”. نفس الخطاب ربط حماس بإيران لتكريسها كجزء من “محور الشر” في الشرق الأوسط، مع تأكيد متكرر على أن الحركة تعتمد مالياً وعسكرياً على الحرس الثوري الإيراني. هذا الربط يخدم إسرائيل في معركتها الإقليمية لتشكيل تحالفات ضد طهران، ويحوّل الحرب على غزة إلى جزء من مواجهة أوسع مع إيران.
في الميدان، ركزت الرواية الإسرائيلية على اتهام حماس باستخدام المدنيين كدروع بشرية. تبرير اقتحام المستشفيات، مثل مجمع الشفاء والرنتيسي، جاء عبر هذه المزاعم، إذ أصر المتحدثون العسكريون على أن المستشفيات تحولت إلى مراكز قيادة للحركة. ومع أن أدلة الجيش الإسرائيلي تعرضت لتشكيك واسع من قبل مؤسسات دولية وإعلامية، فإن تكرار الخطاب ساهم في نقل المسؤولية القانونية عن قتل المدنيين من إسرائيل إلى حماس، وفق السردية الرسمية. الأمر ذاته انسحب على اتهام الحركة بمنع إخلاء المدنيين من مناطق العمليات، أو بسرقة المساعدات الإنسانية، وهي اتهامات لم تثبتها تقارير المنظمات الدولية لكنها استُخدمت لتبرير استمرار العمليات ولتبرئة إسرائيل من تفاقم الكارثة الإنسانية في القطاع.
شيطنة حماس
الخطاب الإسرائيلي بعد هجوم السابع من أكتوبر لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل استراتيجية مدروسة لبناء رواية سياسية وأمنية تتيح استمرار الحرب. هذه الرواية تقوم على ثلاثة مرتكزات: استدعاء التاريخ اليهودي المأساوي لتغذية الخوف الوجودي، شيطنة حماس عبر مقارنتها بداعش وربطها بإيران، وتبرير استهداف المدنيين من خلال اتهام الحركة باستخدامهم دروعاً بشرية أو عرقلة المساعدات. ورغم أن هذه السردية لاقت تشكيكاً من جهات حقوقية وإعلامية عالمية، فإنها ظلت السلاح الأكثر فاعلية بيد نتنياهو لتسويغ الحرب داخلياً وخارجياً، في وقت تتزايد فيه الكلفة البشرية والإنسانية وتتعاظم الضغوط على إسرائيل نتيجة حجم الدمار في غزة.






