لا زالت مأساة غزة المتواصلة، تلقي بظلالها على المشهد السياسي شديد التعقيد، الذي تتداخل فيه الحسابات الفصائلية مع المسارات الإقليمية والدولية، وفي قلب هذا المشهد تقف حركة حماس التي تحاول تقديم نفسها طرفاً متجاوباً مع مبادرات الوسطاء، لكنها في الواقع ما زالت أسيرة حساباتها الخاصة المرتبطة ببقائها ككيان سياسي وعسكري. ورغم إعلانها قبول صفقات جزئية أو استعدادها لصفقة شاملة، فإن الحركة تضع دوماً شروطاً ومعادلات تحفظ لها موقعها في المعادلة الداخلية والإقليمية، حتى وإن كان الثمن استمرار الدمار في غزة وتفاقم المأساة الإنسانية غير المسبوقة.
الأسرى ورقة سياسية
إن ما تصفه حماس بتعنت نتنياهو وعرقلته للمفاوضات، لا يعفيها من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية تجاه المدنيين في القطاع. فالحركة، منذ بداية الحرب، اعتمدت خطاباً يربط وقف إطلاق النار بمصالحها التنظيمية، أكثر من ربطه بوقف نزيف الدم ورفع الحصار عن الناس. ومع مرور أكثر من اثنين وعشرين شهراً من القصف والتجويع، يتضح أن غزة دفعت ثمناً باهظاً ليس فقط بسبب تعنت الحكومة الإسرائيلية، بل أيضاً نتيجة خيارات حماس الخاطئة التي أوقعت القطاع في عزلة دولية، وأضعفت الزخم الشعبي العربي والدولي لقضيته.
في المقابل، تطرح تصريحات مسؤولي الحركة عن “صفقات جزئية” و”استعداد لصفقة شاملة” تساؤلات جدية حول نواياها الحقيقية. إذ يبدو أن الهدف لم يعد وقف الحرب بقدر ما هو البحث عن تسوية تحفظ لها حضورها على حساب المصلحة الوطنية العليا للفلسطينيين. فالاستمرار في استخدام ملف الأسرى كورقة سياسية، دون تقديم تنازلات مؤلمة لكنها ضرورية، يعني عملياً المساهمة في إطالة أمد الحرب التي حوّلت غزة إلى أطلال.
تقويض المشروع الوطني الفلسطيني
الخطر الأكبر أن استمرار هذه السياسة قد يفضي إلى تقويض المشروع الوطني الفلسطيني برمّته، فالمجتمع الدولي بدأ يتعامل مع غزة كعبء إنساني أكثر من كونها قضية سياسية عادلة، بينما تضعف قدرة الفصائل على تقديم خطاب موحّد يقنع العالم بعدالة المطالب الفلسطينية. ومع كل يوم إضافي من الحرب، تتعمق الفجوة بين الخطاب السياسي لحماس والواقع المأساوي للناس الذين يفتقدون الغذاء والدواء والأمان.
إن التمسك بخيارات عقيمة لا يوقف القصف ولا يخفف الحصار، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار الداخلي، وربما إلى ضياع ما تبقى من الحلم الفلسطيني. ولعل المأساة الحقيقية تكمن في أن ما تعتبره حماس “مقاومة” قد يتحول مع مرور الوقت إلى أداة تبرر بها إسرائيل مشروعها الاستيطاني والتوسعي، فيما يبقى الشعب الفلسطيني وقضيته الخاسر الأكبر.







