يمثل اغتيال أربعة صحافيين في غارة إسرائيلية استهدفت مجمع ناصر الطبي في غزة حلقة مأساوية جديدة في الحرب المستمرة على القطاع، ويكشف في الوقت نفسه عن أبعاد أخطر تتجاوز مجرد الاستهداف العسكري المباشر إلى محاولة إسكات آخر الأصوات التي تنقل معاناة السكان للعالم الخارجي.
هشاشة الوضع الإنساني
تصريحات مفوض «الأونروا» التي اعتبرت قتل الصحافيين بمثابة إخماد لما تبقى من شهود على المجاعة وموت الأطفال، تضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي بالغ الحساسية، إذ لم يعد استهداف المدنيين والكوادر الطبية وحده محل الاتهام، بل امتد ليشمل حراس الحقيقة الذين يواصلون العمل في ظروف إنسانية وأمنية شبه مستحيلة.
الهجوم على مجمع ناصر الطبي لا يمكن عزله عن مسار متكرر لاستهداف المرافق الصحية والإعلامية، وهو مسار يضاعف من هشاشة الوضع الإنساني، إذ يحرم آلاف المرضى والجرحى من الرعاية الطبية، ويجعل من الصحافيين هدفاً معلناً في ساحة صراع تُطوى فيها الحقائق تحت وطأة السلاح.
عجز النظام الدولي
استشهاد المصور حسام المصري، المتعاقد مع وكالة «رويترز»، وإصابة زميله حاتم خالد، مثال على حجم المخاطر التي يواجهها الصحافيون الدوليون والمحليون على حد سواء، حيث باتوا يدفعون ثمناً مضاعفاً لمهنتهم: تهديد مباشر لحياتهم من جهة، ومحاولة ممنهجة لطمس ما ينقلونه من جهة أخرى.
من زاوية سياسية أوسع، تكشف هذه الحوادث عن عجز النظام الدولي في حماية الصحافيين والعاملين في المجال الإنساني، رغم القوانين والاتفاقيات الدولية التي تنص بوضوح على ضمان سلامتهم في أوقات النزاعات المسلحة. الدعوة التي أطلقها مفوض «الأونروا» لضرورة توافر إرادة سياسية لإنهاء المجاعة وحماية الإعلاميين، تبرز كمطلب عاجل لكنه يصطدم بواقع سياسي معقد، حيث تستمر إسرائيل في تبرير عملياتها تحت غطاء “الأمن القومي”، بينما يكتفي المجتمع الدولي بإدانة لفظية غير ملزمة، لا تترافق مع إجراءات عملية تضمن وقف الانتهاكات.
غياب الإجراءات الرادعة
في الجوهر، يظهر استهداف الصحافيين في غزة باعتباره جزءاً من معركة السيطرة على السردية: من يملك الحق في رواية ما يحدث؟ وإذا ما تم إسكات الصحافيين الميدانيين، فإن الساحة الإعلامية ستبقى رهينة للرواية الرسمية الإسرائيلية، ما يجعل من الجرائم المرتكبة ضد المدنيين أكثر قابلية للتمويه. ومع استمرار هذا النهج، تتعمق الفجوة بين حجم الكارثة الإنسانية على الأرض وبين وعي الرأي العام العالمي بها.
إن اغتيال الصحافيين في غزة لا يطرح فقط سؤالاً حول أخلاقيات الحرب، بل أيضاً حول مصداقية المجتمع الدولي في حماية المبادئ التي يزعم الدفاع عنها. فغياب إجراءات رادعة يترك الباب مفتوحاً لمزيد من الانتهاكات، ويجعل من الصحافة في مناطق النزاع مهنة محفوفة بالموت أكثر من أي وقت مضى، بينما يظل سكان القطاع بلا صوت ينقل للعالم معاناتهم المستمرة.






