تشهد إسرائيل في الآونة الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في موجة الاحتجاجات الشعبية، التي يقودها بالأساس أهالي الأسرى المحتجزين في قطاع غزة، والذين يزداد شعورهم بأن حكومة بنيامين نتنياهو لم تعد معنية بإنقاذ ذويهم بقدر ما هي متمسكة بالبقاء في السلطة. المظاهرات التي اندلعت في تل أبيب وأمام منازل وزراء الحكومة عكست تحولاً لافتاً في المزاج العام، حيث باتت الضغوط على القيادة السياسية تأتي من قلب العائلات التي طالما شكّلت خط الدفاع الوطني في أوقات الأزمات.
اتهام نتنياهو
عائلات الأسرى وجهت اتهاماً مباشراً لنتنياهو بأنه يضحي بأبنائهم في سبيل مصلحته السياسية، وهو خطاب غير معتاد في المجتمع الإسرائيلي، لكنه يزداد رسوخاً كلما طالت الحرب من دون أهداف واضحة أو إنجازات ملموسة. هذا الاتهام يضع الحكومة في موقف حرج داخلياً، إذ إن قضية الأسرى تُعد إحدى أكثر الملفات حساسية في إسرائيل، وتشكل عادة أرضية للتوافق الوطني، لكن استمرار العمليات العسكرية من دون نتائج على صعيد إعادتهم عزز القناعة بأن القيادة الحالية تفتقد لاستراتيجية عملية غير الإصرار على إطالة أمد الحرب.
اللافت أن أصواتاً فردية مثل والدة الأسير عيناف تسنغاوكر تحولت إلى رموز احتجاجية، بعدما وجهت مناشدات علنية للإسرائيليين بالخروج إلى الشارع، معتبرة أن نتنياهو يضع العراقيل أمام أي صفقة تبادل. هذه الشهادات الشخصية تحمل زخماً عاطفياً قوياً، وتحوّل الملف من نقاش سياسي إلى قضية إنسانية تمس كل بيت إسرائيلي.
الضغط الخارجي على الحكومة
المظاهرات تأتي أيضاً في ظل سياق أوسع من الإحباط العام داخل إسرائيل، حيث يزداد شعور قطاعات واسعة بأن الحرب المستمرة منذ 22 شهراً لم تحقق سوى مزيد من الاستنزاف. ومع تزايد عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين في غزة وما يرافق ذلك من اتهامات دولية لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، يتزايد الضغط الخارجي على الحكومة، ما يعزز معضلة نتنياهو بين الاستجابة للضغوط الدولية أو الانصياع لتيار يميني متشدد يرفض أي تنازلات.
مع ذلك، فإن النقطة الأكثر حساسية تبقى معادلة الأسرى. تقديرات إسرائيل تشير إلى أن حماس تحتفظ بنحو 50 أسيراً، 20 منهم أحياء، بينما يقبع أكثر من 10 آلاف فلسطيني في السجون الإسرائيلية. هذه الفجوة الرقمية الكبيرة تعكس أن أي صفقة ستكون مؤلمة سياسياً لنتنياهو وحكومته، لكنها في الوقت نفسه تمثل الفرصة الوحيدة لاستعادة الأسرى الأحياء، وهو ما يطالب به الشارع الإسرائيلي الآن بشكل متزايد.
أزمة استراتيجية داخل إسرائيل
الاحتجاجات الحالية قد تتحول إلى عامل ضغط جوهري داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، خصوصاً إذا ما استمرت وتوسعت لتشمل شرائح أوسع خارج دائرة عائلات الأسرى. عندها، سيكون نتنياهو أمام خيارين أحلاهما مر: إما المضي في حرب تُضعف رصيده الداخلي وتعرضه لمساءلة قضائية دولية، أو الدخول في صفقة تبادل تُظهره بمظهر المتراجع أمام حماس.
بهذا المعنى، فإن احتجاجات تل أبيب لا تعبر فقط عن ألم إنساني لعائلات الأسرى، بل عن أزمة استراتيجية داخل إسرائيل نفسها، حيث يتصادم خطاب “الانتصار الكامل” مع واقع حرب طويلة الأمد أرهقت الداخل، وأبقت الأسرى رهائن لمعادلات سياسية معقدة. هذه الأزمة مرشحة للتفاقم في الأسابيع المقبلة، وقد تشكل منعطفاً في مسار الحرب والخيارات المطروحة أمام الحكومة الإسرائيلية.






