تتواصل ردود الفعل والتفاعلات الدولية مع إعلان بعثة الأمم المتحدة للعدم في ليبيا وكشفها عن خريطة طريق جديدة لحل الأزمة الليبية، ففي الوقت الذي رحبت فيه أطراف دولية بهذا الإعلان انتقدت أصوات محلية بعضا مما جاء فيه، متحدثة عن واقعية تنفيذه.
ومن جهتها، رحبت بعثة الاتحاد الأوروبي بخريطة الطريق المعلنة من المبعوثة الأممية هانا تيته وحثت جميع الأطراف الليبية الفاعلة على الإسراع في تنفيذ الخطوات الأولية.
ودعت البعثة في بيان لها الأطراف الفاعلة على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات وتعديل الأطر الانتخابية ضمن خطوات الخريطة الأممية، مؤكدة دعمها لحوار وطني منظم يضع الشعب الليبي في صميم العملية.
وفي تقييم مفصل، أعرب السياسي الليبي همومة عن تشككه في الجدولة الزمنية المقترحة لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، معتبراً أن «شهرين لا يكفيان حتى لفتح باب الترشح وفرز الملفات»، في إشارة واضحة إلى عدم واقعية الإطار الزمني الذي طرحته المبعوثة الأممية هانا تيته.
وأشار همومة إلى تعقيد ملف تصحيح الوضع القانوني للمفوضية العليا للانتخابات، موضحاً أن ذلك يتطلب توافقاً تشريعياً شاملاً بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ضمن حزمة متكاملة تخص المناصب السيادية، وهو ما وصفه بـ«الملف المعقد الذي يصعب الخوض فيه في ظل الانقسامات الحالية».
«العقوبات الدولية».. عامل حاسم لإنجاح العملية السياسية
وحذّر همومة من تكرار معوقات الماضي، متسائلاً عن الآلية الممكنة لتصحيح الإطار القانوني للانتخابات وسط الخلافات المستمرة حول شروط الترشح. وأكد أن الانتخابات الرئاسية تحتاج إلى أساس دستوري متين، سواء عبر تعديل المسودة الدستورية الحالية أو وضع إطار مؤقت، وهي عملية تستلزم وقتاً وإشراك جمعية تأسيسية.
وختم بالإشارة إلى عنصر حاسم في نظره، وهو العقوبات التي يمكن أن يتخذها مجلس الأمن لردع المعرقلين، ملمحاً إلى أن الأطراف الفاعلة في العرقلة معروفة، دون أن يسميها. وبرأيه، فإن الضمانات الدولية لا تقل أهمية عن الخطوات السياسية المحلية.
مجلس الدولة: الخلاف حول الحكومة يهدد المسار الأممي
من جانبه، أكد رئيس اللجنة السياسية بمجلس الدولة، محمد معزب، أن خريطة الطريق الأممية واضحة، غير أن العقبة الكبرى تكمن في تشكيل حكومة واحدة.
وأوضح أن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح يتمسك بشرعية حكومة حماد التي أقرها البرلمان، فيما يصر رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة على الالتزام بمخرجات حوار جنيف التي تربط نهاية ولايته بانتخابات تشريعية جديدة، أي أن «الانتخابات أولاً ثم الحكومة».
وشدد معزب على أن هذا التباين قد يعرقل العملية السياسية بأكملها، خاصة وأن الخطة الجديدة أغفلت المسار الدستوري، إذ كان متوقعاً طرح خيار الاستفتاء على مشروع الدستور للانتقال إلى مرحلة دائمة تنهي المراحل الانتقالية المتكررة.
المحلل السياسي عبدالستار حتيتة، وفي تعليقه على خريطة الطريق الأممية، قال إن الخطة ركزت على ثلاثة بنود متوازية تهدف إلى إنهاء حالة «الشيزوفرينيا السياسية» التي تضرب ليبيا منذ سنوات، وهي: إعداد إطار انتخابي سليم، توحيد المؤسسات عبر حكومة واحدة، وإطلاق حوار واسع يتيح المشاركة لجميع الليبيين.
ولفت حتيتة إلى الأهمية الاستراتيجية لليبيا بالنسبة لمصر والعكس، مشيراً إلى أن موقف القاهرة المرحب بالخطة يعكس حرصها على دعم استقرار جارتها الغربية. وأكد أن مصر تأمل في تشكيل حكومة مؤقتة قادرة على قيادة البلاد نحو انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة.
خطة تيته: 3 ركائز و18 شهراً من العمل التدريجي
المبعوثة الأممية هانا تيته قدمت خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن خريطة طريق تستند إلى ثلاث ركائز رئيسية: صياغة إطار انتخابي متين، تشكيل حكومة موحدة، وتنظيم حوار وطني شامل. وأوضحت أن الخطة ستُنفذ عبر عملية تدريجية متسلسلة، ضمن إطار زمني يتراوح بين 12 و18 شهراً.
لكن المراقبين يرون أن نجاح هذه الخطة مرهون بتجاوز العقبات القانونية والدستورية، والتوافق على الحكومة الجديدة، فضلاً عن توفير ضمانات دولية حقيقية تردع كل من يحاول عرقلة المسار السياسي.
انقسام الشرعيات يهدد المسار الانتخابي
ولا يزال الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب العائق الأكبر أمام أي تقدم سياسي، فبينما يعتبر مجلس النواب حكومة حماد الشرعية الوحيدة، يرى المجتمع الدولي أن حكومة الدبيبة ما زالت قائمة بحكم الأمر الواقع. هذا التنازع على الشرعية يهدد فعلياً فرص توحيد السلطة التنفيذية، وهو أحد أهم أعمدة خريطة الطريق.
وأكدت مصادر دبلوماسية أن الأمم المتحدة تدرس مع القوى الغربية فرض حزمة عقوبات جديدة على الشخصيات والجهات التي تعرقل تنفيذ الخطة، خاصة أن المجتمع الدولي بات يدرك أن البيانات السياسية وحدها لم تعد كافية لإجبار الأطراف الليبية على الالتزام.
ورغم تأكيد البعثة الأممية على أن المسار الدستوري ليس شرطاً مسبقاً لإجراء الانتخابات، إلا أن عدداً من القوى السياسية الليبية شددت على أن غياب أساس دستوري سيضع العملية برمتها في مهب الطعون القانونية، بما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوضى التي رافقت الانتخابات المؤجلة في 2021.
الدول المجاورة لليبيا، وعلى رأسها مصر وتونس والجزائر، تتابع التطورات عن كثب، إذ تخشى من تداعيات استمرار الانسداد السياسي على أمنها القومي، وترى القاهرة تحديداً أن استقرار ليبيا شرط أساسي لمنع تمدد الإرهاب والهجرة غير الشرعية عبر حدودها الغربية.
سيناريوهات مفتوحة للمستقبل
بينما تراهن الأمم المتحدة على التزام الأطراف الليبية بمسارها، يرى مراقبون أن المشهد الليبي قد يتجه إلى أحد خيارين: إما التوافق على تشكيل حكومة موحدة وبدء التحضير الفعلي للانتخابات، أو الانزلاق مجدداً نحو حالة من الانقسام والصراع السياسي، وهو ما سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة لسنوات أخرى.
ورغم الترحيب الدولي والإقليمي بخريطة الطريق، تبقى الأسئلة معلّقة: هل ينجح الفرقاء الليبيون في تجاوز خلافاتهم حول الحكومة؟ وهل يمكن التوصل إلى إطار دستوري جامع يفتح الباب أمام انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة؟ أم أن الخلافات ستعيد ليبيا إلى مربع الانسداد السياسي؟







