القرار الأمريكي بعدم منح تأشيرات للوفد الفلسطيني المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يمثّل تصعيدًا سياسيًا ذا أبعاد عميقة تتجاوز المسألة الإجرائية الخاصة بالتأشيرات. فالولايات المتحدة، بصفتها دولة المقر للأمم المتحدة، ملزمة بموجب “اتفاقية المقر” الموقعة عام 1947 بالسماح لجميع الوفود الرسمية بحضور اجتماعات المنظمة الدولية، بصرف النظر عن طبيعة علاقاتها الثنائية مع تلك الدول أو الكيانات.
ومن هنا فإن هذا الإجراء لا يبدو مجرد قرار إداري أو قانوني، وإنما يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن تسعى إلى تقليص الحضور الفلسطيني في الساحة الدولية، وإضعاف قدرة القيادة الفلسطينية على توظيف المنابر الأممية لإبراز الانتهاكات الإسرائيلية وتثبيت حقوق الشعب الفلسطيني.
تناقض الموقف الأمريكي
من زاوية أخرى، يعكس القرار انحيازًا أمريكيًا متزايدًا للسياسات الإسرائيلية، إذ يربط منح التأشيرات بمسألة “العودة إلى مسار التعايش السلمي” مع إسرائيل، في وقت تستمر فيه الحكومة الإسرائيلية في سياسات الاستيطان والعدوان على الأرض والشعب الفلسطيني. وهو ما يكشف تناقضًا بين دعوات الإدارة الأمريكية المعلنة للسلام وبين سلوكها الفعلي الذي يضغط على الطرف الأضعف ويمنحه رسالة مفادها أن الوصول إلى المؤسسات الدولية سيكون مشروطًا بالتنازل عن أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي.
بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فإن الرد عبر بيان الرئاسة يعكس حرصًا على التأكيد على الجانب القانوني الدولي، لا سيما الإشارة إلى عضوية فلسطين بصفة مراقب في الأمم المتحدة، وما يترتب عليها من حقوق تتيح لها المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة. كما أن التذكير برسالة الرئيس محمود عباس إلى قادة العالم، بما فيهم الرئيس الأمريكي، يهدف إلى إظهار التزام الجانب الفلسطيني بالشرعية الدولية وبمسار السلام، وبالتالي نزع أي ذريعة أمريكية تبرر القرار.
إحراج واشنطن أمام المجتمع الدولي
التحرك الفلسطيني في هذه المرحلة يمكن قراءته في إطار استراتيجية مزدوجة: أولًا، التمسك بالقانون الدولي كمرجعية وحيدة في مواجهة الإجراءات الأمريكية المنحازة، وهو ما يهدف إلى إحراج واشنطن أمام المجتمع الدولي وإظهارها كدولة تخرق التزاماتها تجاه الأمم المتحدة. وثانيًا، إبراز أن الشعب الفلسطيني، رغم كل الضغوط، لا يزال متمسكًا بمسار الحل السلمي وبقرارات الشرعية الدولية، وهو ما يضع الولايات المتحدة في موقف الطرف المعرقل بدل أن تكون وسيطًا.
دلالات هذا الموقف الأمريكي تتعدى اللحظة الراهنة، فهو يشكّل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام تسييس “اتفاقية المقر” واستخدامها كسلاح ضغط ضد وفود لا تنسجم مع سياسات واشنطن. وهذا من شأنه أن يثير قلقًا لدى أطراف دولية أخرى ترى في الأمم المتحدة ساحة للتعددية والشرعية الدولية بعيدًا عن النفوذ الأحادي. أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فإن الأزمة قد تكون فرصة لإعادة حشد دعم أوسع من دول العالم، خاصة الأعضاء في حركة عدم الانحياز والاتحاد الأوروبي، للتأكيد على ضرورة احترام حقها في المشاركة الكاملة في جميع المحافل الدولية.
منطق الهيمنة
القرار الأمريكي لا يقتصر على كونه محاولة لعزل السلطة الفلسطينية، بل يعكس أيضًا اختبارًا للمجتمع الدولي: هل يستطيع أن يحمي مبادئ الأمم المتحدة من الضغوط الأمريكية، أم أن منطق الهيمنة سيستمر في تقويض حقوق الشعوب الضعيفة؟ السلطة الفلسطينية تدرك هذه المعادلة، وتتحرك لإثبات حقها القانوني والسياسي، في الوقت نفسه الذي تكشف فيه التناقضات الأمريكية أمام العالم.






