في واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية التي عرفها السودان في تاريخه الحديث، تحولت قرية ترسين الواقعة في وسط جبل مرة بدارفور إلى مقبرة جماعية. أكثر من ألف شخص قضوا بعدما دفنوا أحياءً جراء انزلاق أرضي مروّع، ولم ينجُ من سكان القرية سوى شخص واحد. المتحدث باسم حركة تحرير السودان، محمد عبد الرحمن الناير، اختصر المشهد بقوله: «دفنوا أحياءً تحت الأنقاض، لم ينجُ منهم إلا شخص واحد».
الانزلاق الأرضي، الذي وقع أواخر أغسطس، اجتاح القرية بالكامل، وسوّاها بالأرض. مساكن طينية وبنية تحتية هشة لم تصمد أمام أمطار غزيرة حركت التربة الهشة للجبل. وما زالت الجثث مطمورة تحت الصخور والطين في ظل غياب شبه كامل لأي دعم حكومي أو دولي ملموس.
نداءات استغاثة عاجلة
حركة تحرير السودان والمنسقية العامة للنازحين واللاجئين أطلقوا نداءات عاجلة إلى الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية للمساعدة في انتشال الجثث وتقديم الدعم للناجين. رئيس الحركة، عبد الواحد النور، حذّر من أن الكارثة قد تتكرر في قرى مجاورة، داعياً إلى خطة عاجلة لإجلاء السكان وإعادة توطينهم في مناطق آمنة.
لكن حتى الآن، تبقى الاستجابة محدودة. فرق محلية من الأهالي تحاول الحفر بأدوات بدائية، فيما يتضاءل الأمل في العثور على ناجين مع مرور الوقت.
مأساة إنسانية تتجاوز الإقليم
حاكم دارفور مني أركو مناوي وصف ما جرى بأنه «مأساة إنسانية تفوق حدود الإقليم»، مشدداً على أن إمكانيات السكان المحليين لا تسمح بمواجهة كوارث بهذا الحجم. الاتحاد الأفريقي دعا في بيان رسمي إلى «إسكات الأسلحة» في السودان لتمكين المساعدات الإنسانية من الوصول، مؤكداً تضامنه مع المتضررين.
لكن وسط هذه الدعوات، يبرز سؤال محوري: أين كان نظام الإنذار المبكر؟ القيادي مبارك أردول اعتبر أن الانزلاقات الأرضية ليست جديدة على جبل مرة، وأن غياب التخطيط والاستباق الحكومي جعل من الكارثة فصلاً جديداً من الحزن بعد الحرب والنزوح والجوع.
«الأرواح ليست أرقاماً»
قوى مدنية وسياسية سودانية حمّلت الحكومة مسؤولية التقصير، معتبرة أن ما حدث في ترسين يرقى إلى «كارثة وطنية» تستوجب إعلان حالة طوارئ إنسانية. حزب الأمة القومي طالب بخطة عاجلة للإغاثة، فيما شدد تحالف «صمود» على أن «الأرواح البريئة ليست مجرد أرقام». الناشطون طالبوا بإنشاء صندوق خاص لإغاثة الضحايا، وإعلان الحداد الوطني.
مأساة تتزامن مع حرب دامية
وكأن كارثة ترسين لم تكن كافية، فقد تزامنت مع قصف مدفعي نفذته قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، أسفر عن مقتل 18 مدنياً وإصابة أكثر من 100 آخرين بينهم نساء وأطفال. شبكة أطباء السودان وصفت ما جرى بـ«المجزرة الجديدة»، مؤكدة أن المدنيين يتعرضون يومياً للقصف والتجويع وسط نقص حاد في الغذاء والدواء.
مدينة الفاشر تعيش منذ أكثر من عام تحت حصار خانق، لتجد نفسها اليوم بين كماشة الحرب وكوارث الطبيعة.
قراءة في المشهد العام
تتداخل في دارفور مأساة الحرب ومأساة الطبيعة، في صورة واحدة تجسد هشاشة الدولة السودانية أمام الأزمات. كارثة ترسين لم تكن مجرد انزلاق أرضي، بل فضحت غياب الدولة عن مسؤولياتها، وعجزها عن توفير أبسط آليات الإنقاذ. أما قصف الفاشر، فقد عمّق الشعور بأن المدنيين باتوا عالقين بين الموت تحت الركام أو تحت القذائف.
المشهد يشي بأن دارفور لا تواجه فقط كارثة آنية، بل أزمة بنيوية مستمرة، حيث تُدفن القرى تحت الطين، وتُحاصر المدن بالنار، بينما يغيب أي أفق لسلام أو دعم دولي فعال. إنها لحظة تختبر فيها الإنسانية جمعاء ضميرها، فهل يبقى العالم متفرجاً؟






