مرة أخرى، تجد العاصمة الليبية نفسها في قلب العاصفة، بعد أن أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) عن “تصاعد سريع للتوتر” في طرابلس، وسط مخاوف من عودة الاشتباكات المسلحة التي لم تندمل جراحها بعد. البيان الأممي جاء في وقت بالغ الحساسية، إذ يتقاطع فيه الفشل السياسي مع واقع أمني هش، يزيد من هشاشته تعدد الميليشيات وتناحر الولاءات.
مخاوف أممية وتحذيرات من انزلاق جديد
في بيانها الصادر يوم الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول، أعربت البعثة الأممية عن “قلقها العميق” إزاء احتمالية تجدد الصراع المسلح، محذرةً من أن استئناف العنف ستكون له “عواقب وخيمة” على المدنيين وعلى مجمل المسار السياسي. ودعت جميع الأطراف الليبية إلى وقف أي استعدادات عسكرية قد تدفع العاصمة إلى دوامة الدم من جديد.
هذا التحذير ليس معزولًا؛ فهو يأتي في ظل تزايد مظاهر الحشد العسكري، خصوصًا بعد تداول مقاطع مصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر وصول مركبات مسلحة من مدينة مصراتة، على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس، وتمركزها في الضواحي الشرقية للعاصمة. ورغم صعوبة التحقق الميداني من هذه المعلومات، فإنها تكفي لإشعال المخاوف بين سكان طرابلس الذين يعيشون تحت سطوة القلق المستمر.
جذور الأزمة: حكومتان وصراع مفتوح
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، لم تنجح ليبيا في تأسيس سلطة مركزية مستقرة. ويتقاسم الحكم اليوم طرفان متنازعان: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها من الأمم المتحدة، وحكومة موازية في بنغازي خاضعة لسيطرة المشير خليفة حفتر وأبنائه. هذا الانقسام جعل العاصمة طرابلس محورًا للتجاذبات، حيث تتقاطع مصالح الداخل والخارج على حد سواء.
الاشتباكات الدامية التي اندلعت في مايو/أيار الماضي بين قوات موالية للدبيبة وجماعات مسلحة ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من العنف الدوري، والذي غالبًا ما يندلع عند كل انسداد سياسي.
مبادرة أممية في مهب الريح
في 21 أغسطس/آب، حاولت رئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، حنا تيته، إعادة بعث الأمل عبر طرح خارطة طريق جديدة تهدف إلى تنظيم انتخابات وتوحيد المؤسسات. لكن المبادرة سرعان ما ووجهت بالتشكيك، في ظل غياب توافق محلي وإقليمي حول شكل المرحلة المقبلة، ما يجعل أي مسعى للتهدئة رهينًا لتنازلات صعبة بين أطراف لا تبدو مستعدة لها.
طرابلس بين الخوف والانتظار
يعيش سكان طرابلس اليوم في حالة ترقب مشوبة بالخوف، وهم يدركون أن أي شرارة قد تعيدهم إلى مشاهد الرعب التي خبروا فصولها على مدى العقد الماضي. فالمدينة، التي يفترض أن تكون قلب الدولة الليبية، تحولت إلى مساحة صراع مفتوح تتناوب على السيطرة عليها التشكيلات المسلحة، فيما يبقى المدنيون الحلقة الأضعف.
ختام: ليبيا أمام اختبار وجودي
تظل الأسئلة الكبرى معلقة: هل يمكن لليبيا أن تكسر حلقة العنف وتصل إلى تسوية سياسية شاملة؟ أم أن العاصمة ستظل أسيرة تجاذبات الميليشيات وصراع الحكومتين؟
الواضح أن تحذيرات الأمم المتحدة لا تكفي وحدها لمنع الانفجار، ما لم يتوفر إرادة داخلية جامعة تدرك أن استمرار الصراع لا يعني سوى مزيد من الضياع لدولة لم تتعافَ بعد من صدمة 2011.







