أعلنت السعودية، إطلاق حزمة كبيرة من المشاريع التنموية والإنسانية في سوريا، شملت إعادة تأهيل مدارس ومستشفيات ومخابز في مختلف المناطق، إضافة إلى إزالة الأنقاض في العاصمة دمشق وريفها.
تأتي الخطوة بعد أسابيع فقط من تعهد الرياض استثمار أكثر من 6.4 مليار دولار في مشاريع حيوية داخل سوريا، في مؤشر على توجه سعودي جديد نحو تعزيز الاستقرار ودعم البنية التحتية المتهالكة.
مراسم التوقيع في دمشق
جرت مراسم التوقيع على المشاريع في العاصمة السورية بحضور الدكتور عبد الله الربيعة، المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، ووزير الطوارئ والكوارث السوري رائد الصالح، إلى جانب السفير السعودي في دمشق فيصل المجفل.
وخلال كلمته، أكد الربيعة أن هذه المبادرات «تأتي تلبية لاحتياجات تمثل أولوية ملحّة لدى الشعب السوري»، ناقلاً تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتمنياتهما باستئناف مسيرة البناء لسوريا المنفتحة على محيطها العربي.
سجل سعودي حافل في الدعم الإنساني
أشار الربيعة إلى أن المساعدات الإنسانية التي قدمتها المملكة لسوريا على مدار السنوات الماضية تجاوزت 454 مشروعاً، بقيمة تفوق 5 مليارات ريال. وتتوزع هذه المشاريع بين دعم القطاع الصحي، وتوفير الأمن الغذائي، وبرامج الإيواء، إضافة إلى الاستجابة السريعة للكوارث الطبيعية.
وتعتبر هذه الحزمة الجديدة من المشاريع نقلة نوعية، إذ تركز على التنمية المستدامة لا على الإغاثة العاجلة فقط.
يرى محللون أن الإعلان عن هذه المشاريع يحمل دلالات سياسية لا تقل أهمية عن طابعه الإنساني. فالسعودية ترسل إشارة واضحة إلى أنها راغبة في لعب دور فاعل في إعادة إعمار سوريا، بالتوازي مع جهودها لتعزيز حضورها في الملف الإقليمي.
كما يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها دعماً لمسار الانفتاح العربي على دمشق، بعد سنوات من القطيعة والعزلة.
تحديات إعادة الإعمار
رغم الحفاوة التي رافقت الإعلان، فإن تنفيذ المشاريع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الوضع الأمني الهش في بعض المناطق، وغياب بيئة سياسية مستقرة تضمن استدامة هذه المبادرات.
كما يثير الملف السوري أسئلة حول قدرة المجتمع الدولي على التوفيق بين متطلبات إعادة الإعمار والعقوبات المفروضة على دمشق، خاصة من الجانب الأميركي والأوروبي.
انعكاسات إنسانية واقتصادية
تفتح المشاريع السعودية الباب أمام تحسين ملموس في حياة السوريين، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والغذاء. إعادة تأهيل المدارس والمستشفيات ستسهم في إعادة الأمل لملايين الأسر السورية، فيما ستوفر المخابز والبرامج الخدمية الأخرى أساسيات العيش اليومي.
كما يمكن لهذه المشاريع أن تخلق فرص عمل محلية، وتعيد تنشيط الاقتصاد السوري المتعثر.
دور الرياض في صياغة المستقبل السوري
لا تقتصر أهمية الخطوة السعودية على بعدها التنموي، بل تتصل برؤية أشمل لدور المملكة في رسم ملامح المستقبل السوري، فالمشاريع التنموية تعزز النفوذ السعودي في الملف السوري، وتفتح المجال أمام شراكات عربية أوسع لإعادة الإعمار، بما يتجاوز المساعدات التقليدية نحو بناء دولة مستقرة ومنفتحة.
هل تمهّد لمبادرات إقليمية أكبر؟
يرجح مراقبون أن تكون هذه المبادرات بداية لموجة أوسع من المشاريع التنموية التي قد تنفذها دول عربية أخرى في سوريا، بالتنسيق مع الرياض، فالمرحلة المقبلة قد تشهد تنافساً على من يقود عملية الإعمار، مع حرص القوى الإقليمية والدولية على تأمين موطئ قدم في هذا الملف الاستراتيجي.
وتمثل الخطوة السعودية دفعة كبيرة لمسار التقارب بين الرياض ودمشق، إذ تعكس إرادة سياسية لترميم العلاقات وتعزيز التعاون.
وتضع هذه المشاريع الأساس لشراكة استراتيجية قد تعيد سوريا تدريجياً إلى محيطها العربي وتقلص من اعتمادها على حلفاء تقليديين مثل إيران وروسيا.
الموقف الأميركي والأوروبي
من المتوقع أن تثير هذه المشاريع نقاشات في العواصم الغربية، خاصة مع استمرار العقوبات على النظام السوري.
واشنطن والعواصم الأوروبية ستراقب عن كثب كيف يمكن لهذه المبادرات أن تتماشى أو تتعارض مع سياساتها في المنطقة، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط أو استثناءات إنسانية.
ويعتبر مراقبون أن الدخول السعودي القوي في ملف الإعمار السوري يشكل تحدياً مباشراً لنفوذ طهران وموسكو، فبينما عززت إيران وجودها عبر الاقتصاد والميليشيات، وسعت روسيا لتأمين عقود استراتيجية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، تأتي الرياض بمشاريع تنموية شاملة قد تغيّر موازين النفوذ على الأرض.
وبالنسبة للشعب السوري، فإن هذه المشاريع تعني أكثر من مجرد أرقام استثمارية. فهي تمثل بصيص أمل في تحسين مستوى المعيشة وتخفيف المعاناة اليومية، يرى سوريون أن الحضور السعودي قد يخلق نوعاً من التوازن ويمنحهم فرصة لإعادة بناء حياتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية.
ووفقا للمحللين، فلا يقتصر البعد الاستراتيجي لهذه المشاريع على سوريا وحدها، بل يحمل رسالة أوسع للعالم العربي، إذ تؤكد الرياض من خلالها أنها قادرة على قيادة جهود الإعمار وإعادة الاستقرار في المنطقة، في وقت تعاني فيه العديد من الدول العربية من تداعيات الحروب والصراعات.







