يشير الموقف الأخير الصادر عن الأمم المتحدة إلى عمق الكارثة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة مع استمرار الهجوم الإسرائيلي واتساع نطاق النزوح. المتحدث باسم المنظمة الدولية ستيفان دوجاريك أعاد التأكيد على رفض المنظمة جميع عمليات قتل المدنيين، محذراً من أن استمرار استهداف السكان والهيئات الإنسانية يهدد بفقدان السيطرة على الوضع الإنساني، خصوصاً مع ارتفاع عدد الضحايا إلى ما يقارب 12 ألف قتيل منذ استئناف العمليات العسكرية في مارس الماضي، بينهم عشرات الضحايا خلال الأيام القليلة الماضية.
قصف مباشر
تصريحات دوجاريك تعكس حجم الضغوط على المجتمع الدولي، حيث أوضح أن الجيش الإسرائيلي أصدر مزيداً من الأوامر لإخلاء أحياء في مدينة غزة، ما يفاقم معاناة السكان الذين يواجهون أوضاعاً مأساوية بين خطر القصف المباشر والبحث عن مأوى آمن. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، فإن أكثر من 80% من مناطق القطاع أصبحت إما خاضعة لأوامر نزوح أو مصنفة كمناطق عسكرية إسرائيلية، وهو ما يجعل حركة المدنيين مقيدة ويضع مئات الآلاف في مواجهة مباشرة مع العوز والجوع ونقص المياه.
الأمم المتحدة سجلت أيضاً استهدافاً مباشراً لمنظمة شريكة في مدينة غزة، أسفر عن سقوط قتلى بينهم طفل وعامل إغاثة، في مؤشر خطير على أن المؤسسات الإنسانية نفسها باتت في دائرة الخطر، وهو ما يعقد جهود الإغاثة. ورغم تمكن بعض المنظمات من إدخال عدد محدود من الخيام والمستلزمات خلال الأسابيع الماضية، إلا أن الاحتياجات على الأرض أكبر بكثير، في ظل نزوح متكرر لمئات الآلاف شمالاً وجنوباً دون وجود ممرات آمنة أو ضمانات لسلامتهم.
حركة البعثات الإنسانية
المجاعة التي جرى تأكيدها في غزة أضافت بعداً أكثر قتامة للأزمة، حيث سجلت وفاة أكثر من 100 شخص بسبب الجوع وسوء التغذية، ربعهم من الأطفال. هذا المؤشر يكشف أن الكارثة لم تعد تقتصر على القصف والنزوح، بل امتدت إلى الحرمان الممنهج من الغذاء، وهو ما يرقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. ومع استمرار السلطات الإسرائيلية في فرض قيود على حركة البعثات الإنسانية، لم يتمكن سوى أقل من نصف المهمات المخطط لها من الوصول إلى وجهتها، في وقت تم منع بعضها وإلغاء أخرى، ما أدى إلى بطء شديد في إيصال الوقود والغذاء والمياه إلى الشمال.
وعلى الرغم من هذه التحديات، تمكنت بعض الفرق الإنسانية من إدخال إمدادات محدودة وتوزيع المياه والمواد الغذائية من خلال معبري كرم أبو سالم وزيكيم، غير أن ذلك لا يغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الفعلية. منظمة الصحة العالمية بدورها أعلنت عن وصول أكثر من 570 كرسياً متحركاً إلى القطاع، بينها 260 كرسياً مخصصاً للأطفال، وهي خطوة مهمة لكنها لا تكفي لتلبية احتياجات آلاف الجرحى والمصابين الذين فقدوا أطرافهم نتيجة الحرب.
مجاعة واسعة النطاق
المشهد العام يعكس حالة انهيار شامل للبنية الإنسانية في غزة، حيث تتقاطع أزمة النزوح الجماعي مع شح الموارد وغياب الحماية الدولية، بينما تواصل العمليات العسكرية فرض معادلة قاسية على المدنيين العالقين بين البقاء في مناطق قصف أو النزوح نحو المجهول. في هذا السياق، تظهر الحاجة الملحة إلى تحرك دولي أكثر جدية يتجاوز مجرد الإدانة، نحو إجراءات عملية تضمن وقف القتال وتأمين ممرات إنسانية دائمة تتيح إدخال الغذاء والدواء والمأوى لمئات الآلاف من المتضررين، قبل أن تتحول الأزمة إلى مجاعة واسعة النطاق يصعب تداركها.







