تشير التطورات الأخيرة في الضفة الغربية، وخصوصًا في محيط مدينة القدس، إلى مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، تتسم بفرض حصار عسكري مشدد واقتحامات متزامنة لعدد من القرى والبلدات. هذا التصعيد جاء كرد فعل مباشر على عملية إطلاق النار التي وقعت في القدس وأدت إلى مقتل ستة إسرائيليين وإصابة العشرات، لكنه في جوهره يعكس سياسة أوسع تتبعها حكومة الاحتلال وجيشها في التعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة ثانوية للحرب المفتوحة في غزة.
عقاب جماعي
الاقتحامات المتعددة التي طالت بلدات مثل بدّو وقطنة والرام وكفر عقب وأبو ديس، لم تقتصر على الاعتقالات وعمليات التفتيش، بل ترافقت مع إطلاق كثيف لقنابل الغاز ومنع وصول سيارات الإسعاف إلى المصابين، في مشهد يوضح أن الهدف ليس فقط تعقب منفذين محتملين للعملية، بل أيضًا إخضاع البيئة الشعبية وتطويعها عبر أدوات العقاب الجماعي.
في الوقت نفسه، امتد التصعيد إلى شمال الضفة، كما في جنين وطولكرم، حيث جرى إجبار المتاجر على الإغلاق وتفتيش المركبات، وكذلك إلى جنوبها حيث أقيمت الحواجز في الخليل واقتحمت بلدات عدة. هذه الجغرافيا الواسعة التي غطاها الجيش خلال ساعات قليلة تكشف عن استراتيجية تهدف إلى إشاعة مناخ من الخوف والشلل العام، وربط حياة الفلسطينيين اليومية بالاجراءات الأمنية الإسرائيلية.
عملية القدس مثلت بالنسبة للسلطات الإسرائيلية مؤشرًا خطيرًا على قدرة المقاومة على ضرب عمق المدينة، رغم الإجراءات الأمنية المكثفة. لذلك، جاء الرد بمضاعفة الضغط على الضفة الغربية باعتبارها البيئة الحاضنة التي يجب تفكيكها، ليس فقط لمنع تكرار العمليات، بل أيضًا لردع أي محاولة لتوسيع نطاق المواجهة. غير أن هذه السياسة كثيرًا ما تأتي بنتائج عكسية؛ إذ إن الاعتقالات العشوائية، هدم المنازل كما في حالة الأسير ثابت مسالمة، والاعتداء على المدنيين، تولّد مزيدًا من الغضب والاحتقان، وتدفع قطاعات أوسع من الشباب إلى الاقتراب من خيار المواجهة.
انفجار شامل في الضفة
على المستوى السياسي، يمثل هذا التصعيد امتدادًا لمحاولة إسرائيل إعادة ضبط الضفة الغربية في ظل انشغالها الرئيسي بقطاع غزة. فمع ارتفاع أعداد الشهداء والمعتقلين بشكل غير مسبوق، تبدو الضفة وكأنها تتعرض لحملة موازية تهدف إلى إسكات صوتها، وإظهار أن إسرائيل قادرة على إدارة جبهتين في وقت واحد. إلا أن الواقع يشير إلى أن الضفة ليست مجرد ساحة هامشية، بل إنها بؤرة متفجرة قادرة على تغيير موازين المواجهة عبر عمليات نوعية مفاجئة، وهو ما يجعل الضغوط القمعية الإسرائيلية محفوفة بالمخاطر.
إن الضغوط الممارسة اليوم على الضفة الغربية لا يمكن قراءتها كإجراءات أمنية عابرة، بل كجزء من مخطط استراتيجي يرمي إلى إخضاع كامل الأراضي الفلسطينية تحت هيمنة عسكرية مباشرة. غير أن استمرار هذا النهج، في ظل حرب الإبادة الجارية على غزة، قد يفتح الباب أمام انفجار شامل في الضفة، حيث لا يستطيع الاحتلال ضبط كل نقاط التوتر إلى ما لا نهاية. ومن هنا، فإن الضفة الغربية، بما تواجهه من حصار واقتحامات واعتقالات، تقف اليوم على خط التماس بين سياسة الاحتلال القمعية ورغبة الفلسطينيين في الصمود والمقاومة، ما يجعلها ساحة مركزية في مستقبل الصراع خلال المرحلة المقبلة.







