في مخيمات المواصي غرب خان يونس، تتكشف يومياً واحدة من أبشع صور المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون منذ ما يقارب العامين. المكان الذي أعلنت إسرائيل أنه “منطقة إنسانية” تحول إلى ما يشبه ساحة عذاب جماعي، حيث يعيش عشرات الآلاف من النازحين في خيام مهترئة نُصبت على عجل فوق رمال قاسية، بلا مقومات حياة أساسية، وبلا أفق للخلاص من الجحيم المستمر.
نعيش في جحيم
داخل هذه الخيام، تختنق قصص الألم بالصمت والصبر. عاطف أبو لبدة، أحد النازحين الذين اقتلعوا من شمال القطاع تحت القصف، يختصر المعاناة بجملة صادمة: “نعيش في جحيم.. نقلونا من الشمال إلى الجنوب، لكننا انتقلنا من جحيم إلى جحيم آخر”. شهادته تلخص حالة آلاف الأسر التي خسرت بيوتها وأمنها ولم تجد سوى خيمة بالية تحتمي بها من برد الشتاء وحر الصيف.
نداء أبو عاصي، أم لعدة أطفال، تسابق الزمن كل يوم لتأمين الماء والغذاء لعائلتها، وسط نقص حاد في الموارد وانهيار كامل للبنية التحتية. تصف الوضع في المواصي بأنه “ليس آمناً كما يقولون”، مشيرة إلى استمرار القصف ومخاطر موجة نزوح جديدة إذا توسعت العمليات العسكرية. نداء، مثل غيرها من الأمهات، تحمل همّ الأطفال الذين ينامون عطشى أو يتقلبون من الألم تحت وطأة الأمراض المنتشرة بفعل غياب الرعاية الطبية.
النازحون بين فكي الكماشة
في المخيم، بات الحصول على جرعة ماء نقية أو رغيف خبز أمراً يومياً محفوفاً بالمشقة. الأطفال يعانون من الإسهال والأمراض الجلدية، وكبار السن يئنون تحت وطأة الأمراض المزمنة من دون دواء. كل ذلك يجري في ظل غياب شبه تام للرعاية الصحية، حيث المستشفيات في الجنوب بالكاد تستوعب أعداد الجرحى، ولا تملك الإمكانات للتعامل مع موجات النازحين المرضى.
النازحون في المواصي يعيشون بين فكي كماشة: من جهة تهديد القصف المستمر الذي لا يفرق بين خيمة وأخرى، ومن جهة أخرى الجوع والبرد والمرض. تحوّلت الرمال إلى مقبرة مفتوحة للأحلام والكرامة، وصار الأطفال يعتادون على مشاهد الموت والدمار كأنها جزء طبيعي من الحياة.
بعد أكثر من 23 شهراً من الحرب، لا تزال مآسي النزوح تتكرر وتتضاعف. وعود “المناطق الآمنة” تبدو سراباً، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم وأعمارهم. في المواصي، لا يُسمع سوى صرخات تطلب النجاة: “نعيش في جحيم”، جملة تختزل المعاناة وتفضح عجز العالم عن وقف الكارثة المستمرة.






