أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم السبت، توسيع نطاق ما سماه “المنطقة الإنسانية” جنوب قطاع غزة، لتشمل أجزاء من مدينة دير البلح وسط القطاع. وجاء الإعلان في وقت يتواصل فيه القصف الإسرائيلي الذي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وسط اتهامات فلسطينية بأن هذه المناطق “الآمنة” المعلنة لا تقي المدنيين من الاستهداف.
المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قال في بيان عبر منصات التواصل الاجتماعي إن “أكثر من ربع مليون من سكان مدينة غزة نزحوا خارجها حفاظاً على سلامتهم”، مؤكداً أن القوات “مصممة على حسم حركة حماس في مدينة غزة، ولذلك توسّع وتيرة الهجمات”. الجيش دعا السكان إلى مغادرة مناطق شمالية ووسطية، وحثّهم على التوجه نحو “المناطق المحددة”، بل وطلب منهم الإبلاغ عن أي حواجز تضعها حماس على الطرقات.
القصف يتواصل رغم “المناطق الإنسانية”
على الأرض، لم تتوقف العمليات العسكرية. فقد أفاد الدفاع المدني في غزة بمقتل ستة أشخاص من عائلة واحدة إثر استهداف منزل في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. كما تعرّض شمال مخيم البريج وسط القطاع لقصف مدفعي، فيما شنت الدبابات الإسرائيلية نيراناً مكثفة شرق دير البلح. مصادر طبية محلية تحدثت عن إصابات عديدة، بعضها في صفوف الأطفال والنساء، وسط صعوبة في وصول فرق الإنقاذ إلى المواقع المستهدفة بسبب استمرار القصف.
الجيش الإسرائيلي ألقى أيضاً منشورات ورقية فوق أحياء مدينة غزة، في خطوة وصفها سكان بأنها وسيلة جديدة من الضغط النفسي، إذ تُطالبهم بترك بيوتهم والانتقال إلى مناطق “محددة” لا يلبث القصف أن يطالها في أوقات متقاربة.
الأبعاد السياسية والإنسانية
توسيع “المنطقة الإنسانية” يبدو في الظاهر محاولة لإظهار التزام الجيش الإسرائيلي بحماية المدنيين، لكن الواقع الميداني يعكس صورة مختلفة: مناطق النزوح نفسها باتت تتعرض للقصف، ما يقوض ثقة السكان في أي ضمانات تقدمها تل أبيب. المنظمات الدولية حذّرت مراراً من أن “إعادة رسم الخرائط السكانية بالقوة” لا ينسجم مع القانون الدولي الإنساني، بل يدخل في خانة التهجير القسري.
سياسياً، يهدف الجيش إلى تمرير رسائل مزدوجة: من جهة إظهار أنه يميز بين المدنيين والمقاتلين، ومن جهة أخرى الضغط على حماس عبر تفريغ مناطق شمال غزة من سكانها وتحويلها إلى ساحة عمليات عسكرية مفتوحة. غير أن هذه الاستراتيجية تترك آثاراً عميقة على المدنيين الذين يجدون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: البقاء تحت القصف أو النزوح نحو المجهول.
قراءة أوسع
توسيع “المناطق الإنسانية” يعكس مأزق إسرائيل في معركتها الطويلة مع حماس. فبعد أشهر من العمليات العسكرية، لم يُحسم الميدان كما كانت تتوقع تل أبيب، بينما تكبر كلفة الحرب على الصعيدين الإنساني والسياسي. وفي المقابل، يزداد الضغط الدولي مع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، فيما تصرّ إسرائيل على أن “الحسم العسكري” هو السبيل لإنهاء الحرب.
في المحصلة، يبدو أن هذه المناطق التي يُفترض أن تكون ملاذاً للمدنيين، تحولت إلى عنوان جديد لمأساة غزة: مدن مدمرة، مخيمات مكتظة بالنازحين، وقصف لا يميز بين بيت ومستشفى وملجأ. وبين الخطاب العسكري الإسرائيلي والواقع الميداني، تبقى الفجوة شاسعة، فيما يدفع السكان المدنيون الثمن الأكبر.







