في ظل تصاعد الجهود الإقليمية والدولية لوقف النزاع المسلح في السودان، جاء موقف مجلس التعاون الخليجي ليعزز من زخم المبادرات الداعية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، فقد رحَّب المجلس بالبيان الصادر عن الاجتماع الرباعي لكل من السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، الذي شدد على ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والانخراط في عملية انتقال سياسي شاملة تقود إلى حكومة مدنية تعبر عن تطلعات الشعب السوداني.
ويعكس هذا الموقف الخليجي حرصاً على استقرار السودان، باعتباره عنصراً أساسياً في أمن المنطقة، ودعماً للجهود الرامية إلى رفع المعاناة الإنسانية المتفاقمة.
ورحَّب مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أمس السبت، بالبيان المشترك الصادر عن «الرباعي» (السعودية، مصر، الإمارات، الولايات المتحدة) بشأن النزاع في السودان، مؤكداً أنه يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الصراع الدموي الذي أنهك البلاد منذ أكثر من عامين.
وأشاد جاسم البديوي، الأمين العام للمجلس، بما تضمنه البيان من مبادئ تؤكد على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار.
البديوي: التزام خليجي بإنهاء معاناة الشعب السوداني
أكد البديوي أن دول مجلس التعاون تدعم بالكامل الجهود الدولية والعربية الرامية لوقف الحرب وتعزيز فرص السلام الدائم، مشدداً على استعداد المجلس للتعاون مع مختلف الشركاء لرفع المعاناة عن الشعب السوداني وضمان استقرار مؤسسات الدولة.
وأوضح أن المجلس ينظر إلى النزاع السوداني باعتباره أزمة ذات انعكاسات إقليمية، ما يجعل حلها ضرورة استراتيجية لأمن المنطقة ككل.
حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية
البيان الدولي الذي ثمنه المجلس ركّز على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، إلى جانب تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع أنحاء السودان.
هذه النقاط حازت على اهتمام خاص من دول الخليج التي تنظر بعين القلق إلى الكارثة الإنسانية في السودان، والتي وصفها البيان بأنها «من بين الأسوأ في العالم».
وزراء خارجية الدول الأربع شددوا في بيانهم على أن الحل العسكري للأزمة «غير مجدٍ»، وأن استمرار القتال سيؤدي إلى مزيد من المعاناة الإنسانية ويهدد الأمن الإقليمي.
كما رفض البيان أي تدخل من جماعات متطرفة مرتبطة بـ«الإخوان المسلمين»، معتبراً أن وجودها يزعزع الاستقرار ويعقّد أي تسوية سياسية شاملة. هذا الموقف يعكس اتجاهاً دولياً واضحاً نحو عزل التيارات المتشددة من المشهد السوداني.
نحو انتقال سياسي يقوده السودانيون
البيان المشترك أكد أن مستقبل السودان يجب أن يقرره شعبه عبر عملية انتقالية شاملة وشفافة تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية ذات شرعية واسعة.
هذا الطرح يتناغم مع رؤية مجلس التعاون التي تركز على دعم الحلول السياسية التي تنبع من الداخل السوداني، بعيداً عن التدخلات الخارجية أو إملاءات القوى المتحاربة.
ويُنظر إلى الترحيب الخليجي بالبيان الدولي كإشارة على رغبة في لعب دور داعم يساهم في تقريب وجهات النظر وتحقيق تسوية تضع السودان على طريق الاستقرار.
الموقف الخليجي يعزز الشرعية الدولية للمبادرة
يرى الخبير في الشؤون الإفريقية، د. محمد عبد العاطي، أن ترحيب مجلس التعاون الخليجي بالبيان الرباعي يمنحه وزناً إضافياً على الساحة الدولية.
وأوضح أن «انضمام مجلس التعاون لهذا التوجه يعكس توافقاً إقليمياً واسعاً حول ضرورة إنهاء الحرب في السودان، وهو ما يرفع من فرص إلزام الأطراف المتحاربة بوقف إطلاق النار».
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي السوداني خالد التجاني أن البيان الخليجي يشير إلى استعداد دول المجلس للعب دور وساطة مباشر أو غير مباشر بين الجيش والدعم السريع.
وقال إن «الخليج يتمتع بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، ما يمنحه موقعاً مؤهلاً لرعاية حوار سياسي حقيقي إذا توفرت الإرادة الدولية».
أما الخبير في قضايا الأمن الإقليمي، د. سامي العشماوي، فشدد على أن الموقف الخليجي يعكس قلقاً مشروعاً من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار والبحر الأحمر. وأضاف: «دول الخليج تدرك أن استمرار النزاع في السودان يهدد خطوط التجارة والملاحة، ويخلق بيئة خصبة للجماعات المسلحة والمتطرفة».
إشارة لمرحلة جديدة من الضغط الدولي
الخبير الدبلوماسي أحمد زكريا يرى أن التطابق بين البيان الرباعي وموقف مجلس التعاون يرسل رسالة واضحة للأطراف السودانية بأن «المجتمع الدولي والإقليمي لن يقبل باستمرار الحرب».
وأكد أن «هذه المرحلة قد تشهد زيادة في أدوات الضغط، سواء عبر العقوبات أو من خلال ربط الدعم الإنساني والاقتصادي بوقف إطلاق النار».
مستقبل العملية السياسية بين فرص وتحديات
من زاوية أخرى، قال الباحث السوداني في الشؤون الانتقالية حسن فضل الله إن الموقف الخليجي يعزز مسار الحل السياسي، لكنه أشار إلى أن «التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة الأطراف الداخلية على تجاوز الحسابات الضيقة».
وأضاف: «البيان الرباعي والخليجي يمهد لانتقال سياسي، لكن نجاحه مرهون بتقديم تنازلات حقيقية من الجيش والدعم السريع، وإشراك القوى المدنية في عملية شفافة وواسعة».







