شنّت «قوات الدعم السريع» سلسلة هجمات بطائرات مسيَّرة على مواقع عسكرية ومنشآت مدنية في جنوب السودان، في تصعيد خطير يعكس انتقال الحرب الدائرة منذ أبريل (نيسان) 2023 إلى جبهات جديدة.
وأفاد مصدر عسكري بأن الضربات استهدفت مقر الفرقة 18 التابعة للجيش في مدينة كوستي، إضافةً إلى مستودعات وقود ومنشآت للطاقة على ضفاف النيل الأبيض.
كوستي تحت النار… انفجارات تهز المدينة
شهود عيان في مدينة كوستي، الواقعة على بعد 320 كيلومتراً جنوب الخرطوم، أكدوا سماع دوي انفجارات ضخمة هزّت أحياء المدينة، فيما طالت الهجمات القاعدة الجوية ومطار كنانة القريب، إلى جانب محطة كهرباء أم دياكر شرق المدينة.
ورغم عدم إعلان رسمي لحجم الخسائر، فإن المؤشرات تفيد بتأثر مرافق حيوية في المنطقة.
الجيش يتحدث عن صدّ المسيّرات في الأبيض
بالتوازي مع هذه التطورات، أعلن المتحدث باسم الجيش أن مضادات أرضية تصدت لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف منشآت في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.
وأضاف أن الدفاعات الجوية نجحت في إفشال الضربة دون وقوع خسائر تُذكر، في حين تزايدت المخاوف من تحول «المسيّرات» إلى سلاح استنزاف يغير موازين المعركة.
الهجمات الجديدة تأتي بعد أيام فقط من ضربات مماثلة استهدفت منشآت في الخرطوم وضواحيها، بينها مصفاة نفط ومحطة كهرباء.
وقد أعلن «تحالف تأسيس السودان» التابع لـ«قوات الدعم السريع» مسؤوليته عن تلك العمليات، في رسالة واضحة للجيش بأن الحرب لم تعد مقتصرة على الجبهات التقليدية.
مأزق التسوية السياسية بين رفض الهدنة وتصلب المواقف
على الصعيد السياسي، رفضت الحكومة السودانية المدعومة من الجيش مقترح هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، كانت ستُمهّد لوقف دائم لإطلاق النار وفترة انتقالية مدتها تسعة أشهر تنتهي بتشكيل حكومة مدنية.
وبررت الحكومة موقفها بأن أي عملية سياسية يجب أن تحترم «سيادة الدولة ومؤسساتها الشرعية»، مؤكدة أن الشعب السوداني وحده يملك حق تقرير مصيره عبر توافق وطني يقوده الجيش.
مشهد ميداني وإنساني قاتم
تُظهر التطورات الأخيرة أن الحرب قسمت السودان عملياً إلى مناطق نفوذ: الجيش يسيطر على الخرطوم والشرق والشمال، بينما تفرض «قوات الدعم السريع» هيمنتها على أجزاء من دارفور والجنوب.
هذا الانقسام ترافقه أزمة إنسانية متفاقمة، إذ نزح الملايين، وسقط عشرات الآلاف من القتلى، فيما تواجه البلاد أسوأ تفشٍ للكوليرا منذ سنوات.
«المسيّرات» تنقل الحرب إلى مرحلة جديدة
يرى الخبير العسكري اللواء المتقاعد حسن عبد الرحمن أن «استخدام قوات الدعم السريع للمسيّرات يمثل تحولاً استراتيجياً في أسلوب القتال، إذ يمنحها القدرة على ضرب أهداف بعيدة عن مناطق نفوذها التقليدية دون الحاجة إلى اشتباكات مباشرة».
ويضيف أن هذه الهجمات «تفتح الباب أمام تصعيد إقليمي، خاصة مع قرب المواقع المستهدفة من الحدود مع جنوب السودان».
مخاطر على البنى التحتية المدنية
من جانبه، يحذر الباحث في شؤون الأمن الإقليمي، د. أمجد الفاضل، من أن «استهداف محطات الكهرباء ومستودعات الوقود قد يضاعف الأزمة الإنسانية، لأن هذه المنشآت تمثل شرايين حيوية للمواطنين وليس فقط للجيش». ويشير إلى أن هذه الضربات قد تُقرأ على أنها «رسالة لإضعاف تماسك الجبهة الداخلية عبر الضغط على المدنيين».
يقول العميد الركن عبد الله محمد إن «نجاح الدعم السريع في تنفيذ ضربات دقيقة عبر المسيّرات يضع الجيش أمام تحدٍّ جديد، خصوصاً أن هذا السلاح يتطلب تقنيات مضادة متقدمة». ويضيف: «قد نشهد في الفترة المقبلة سباق تسلح في مجال الدفاع الجوي، وهو ما يرفع تكلفة الحرب ويطيل أمدها».
تعقيد فرص التسوية السياسية
أما المحلل السياسي د. خالد الأمين فيؤكد أن «التصعيد العسكري يقلل من فرص نجاح أي مبادرات دولية أو إقليمية للوساطة»، مشيراً إلى أن رفض الحكومة لمقترح الهدنة يعكس «حالة من انعدام الثقة بين الطرفين».
ويرى أن «المدنيين سيكونون الخاسر الأكبر إذا استمر الانسداد السياسي وتواصل التصعيد العسكري».
تهديد استقرار الإقليم برمته
وفي قراءة إقليمية، يعتبر الخبير في العلاقات الأفريقية، د. سامي الطيب، أن «امتداد العمليات العسكرية إلى جنوب السودان يشكل ناقوس خطر لدول الجوار، إذ قد يؤدي إلى انزلاق المنطقة إلى دائرة أوسع من عدم الاستقرار».
ويشدد على أن «أي تصعيد عابر للحدود يهدد بفتح جبهات جديدة قد تستدعي تدخلات إقليمية ودولية أكثر وضوحاً».






