أعلنت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في بيان رسمي تمسكها بمبدأ وحدة سوريا أرضاً وشعباً، مؤكدةً أن أي حل سياسي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الحوار الشامل والمسؤول بين جميع المكونات.
وجددت الإدارة مطلبها بإشراك كافة الأطراف السورية في صياغة مستقبل البلاد، بما يضمن تمثيل العرب والكرد والسريان والآشوريين وغيرهم من مكونات المنطقة.
سياق تفاوضي معقد
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الساحة السورية مفاوضات حساسة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع.
كانت وفود من الجانبين قد تبادلت الزيارات خلال الأسابيع الماضية في دمشق، سعياً لإيجاد أرضية مشتركة حول الملفات العالقة، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي.
خلافات حول الدستور والجيش الجديد
رغم استمرار قنوات التواصل، لا تزال هناك ملفات خلافية بارزة، فقد أبدت الإدارة الذاتية اعتراضها على قانون انتخابات مجلس الشعب المزمع عقدها في سبتمبر المقبل، إضافةً إلى رفضها بعض بنود “الإعلان الدستوري” وآلية تشكيل الجيش الجديد، إذ تصر قوات سوريا الديمقراطية على الحفاظ على خصوصيتها ضمن المؤسسة العسكرية وعدم فقدان دورها في حماية مناطقها.
وتشكل المفاوضات الحالية امتداداً لاتفاق 10 مارس الذي وُقّع بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس الشرع، والذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن إدارة الدولة، غير أن تفسير بنود الاتفاق لا يزال موضع خلاف، إذ تعتبره الإدارة الذاتية أساساً للحوار، بينما ترى دمشق أنه يمثل خطوة أولية يجب أن تتوسع لاحقاً لتشمل إنهاء الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع.
مستقبل غامض لكن الحوار مستمر
يرى مراقبون أن تمسك الإدارة الذاتية بخيار الحوار يعكس إدراكها أن التوصل إلى تفاهمات مع دمشق أمر حتمي، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على هشاشة التوازنات السياسية والعسكرية في شمال وشرق البلاد.
وبينما يؤكد الطرفان التزامهما بالحوار، تبقى النتائج رهناً بالقدرة على تجاوز الخلافات الجوهرية حول السلطة والدستور والجيش، ما يجعل مستقبل المنطقة مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
الانفتاح على الحوار ضرورة استراتيجية
يرى الباحث في الشأن السوري د. سامر العلي أن تمسك الإدارة الذاتية بخيار الحوار مع دمشق يعكس إدراكاً عميقاً لعدم جدوى المواجهة العسكرية في المرحلة الراهنة.
ويضيف: “الإدارة تدرك أن التحولات الإقليمية والدولية لا تسمح باستمرار مشاريع منفصلة، لذا فهي تحاول صياغة معادلة تحفظ خصوصيتها ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.”
عقدة الدستور والجيش الجديد
أما الخبير العسكري العميد المتقاعد فؤاد الكيلاني فيشير إلى أن الخلاف حول “الإعلان الدستوري” وآلية تشكيل الجيش الجديد هو العقبة الأبرز أمام أي تفاهم.
ويؤكد: “قسد تريد ضمان دور مؤسسي داخل الجيش، بينما تصر دمشق على مركزية القرار العسكري، وهو ما يضع الطرفين أمام اختبار صعب.”
ويعتبر المحلل السياسي مروان الحسن أن إشراك المكونات العربية والسريانية والآشورية في المفاوضات قد يساهم في تخفيف التوترات.
ويضيف: “الإدارة الذاتية بحاجة لإثبات أنها تمثل الجميع لا مكوّناً واحداً، وإلا فإن أي اتفاق مع دمشق سيكون هشاً وغير قابل للاستمرار.”
ضغط إقليمي ودولي
من جهته، يرى الباحث في العلاقات الدولية د. هاني إسماعيل أن المفاوضات تجري تحت ضغط إقليمي واضح، حيث تسعى قوى إقليمية ودولية إلى منع تفكك سوريا بشكل نهائي.
ويقول: “تركيا تراقب التطورات بقلق، فيما تحاول واشنطن وموسكو الدفع نحو حل يضمن الاستقرار ويمنع عودة الفوضى.”
السيناريوهات المحتملة
ويخلص أستاذ العلوم السياسية د. عدنان الطحان إلى أن مستقبل العلاقة بين دمشق والإدارة الذاتية يدور بين ثلاثة سيناريوهات: دمج كامل للمؤسسات وفق شروط الحكومة المركزية، أو تسوية وسطية تضمن قدراً من الحكم المحلي، أو فشل المفاوضات بما يعيد المنطقة إلى التوتر الأمني.
ويضيف: “الترجيح يميل إلى التسوية الوسطية، لأنها الخيار الأقل كلفة على الطرفين.”






