تقرير لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة يمثل منعطفاً قانونياً وسياسياً وأخلاقياً بالغ الخطورة في مسار الحرب المستمرة منذ نحو عامين. فالمرة هذه ليست مجرد اتهامات من منظمات حقوقية أو شهادات فردية، بل تقرير صادر عن لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، يرأسها قضاة وخبراء ذوو خبرة سابقة في المحكمة الجنائية الدولية، ما يرفع مستوى الاتهام إلى مستوى قضائي دولي يوثق المسؤوليات ويحدد الفاعلين بشكل مباشر، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وكبار المسؤولين العسكريين والسياسيين في إسرائيل.
تدمير البنية التحتية الحيوية
الدلالات الأولى للتقرير تكمن في تفنيده السردية الإسرائيلية التي تزعم أن الحرب هدفها “الدفاع عن النفس” أو “القضاء على حماس”، إذ يركز على الأفعال الممنهجة واسعة النطاق: القتل الجماعي للمدنيين، تدمير البنية التحتية الحيوية، منع المساعدات الإنسانية، التهجير القسري، وحتى استهداف مراكز مدنية ذات طابع إنساني مثل مركز الخصوبة، ليؤكد أن الهدف الحقيقي هو تدمير مقومات الحياة في غزة. هذا التحليل يضع الحرب في إطارها القانوني كجريمة إبادة جماعية لا يمكن تبريرها بالذرائع الأمنية.
كما أن استخدام تعبير “الإبادة الجماعية” يحمل وزناً ثقيلاً في القانون الدولي، فهو ليس توصيفاً أخلاقياً فقط، بل جريمة منصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وتُلزم الدول الأعضاء باتخاذ إجراءات لمنعها ومحاسبة مرتكبيها. وهذا يعني أن إسرائيل قد تفتح على نفسها باب الملاحقات القضائية الدولية، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية أو عبر المحاكم الوطنية التي تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية.
استنزاف شعب
التقرير يعكس أيضاً مأساة غزة الإنسانية بأبعادها الكاملة. فالأرقام لم تعد مجرد إحصاءات عن شهداء وجرحى ونازحين، بل أدلة على سياسة متعمدة تهدف إلى استنزاف شعب بأكمله. النزوح القسري لملايين السكان، منع وصول الغذاء والدواء، واستمرار المجازر اليومية كلها تجعل من غزة اليوم منطقة منكوبة يعيش أهلها تحت حصار الموت، في ظل عجز دولي عن وقف الكارثة.
سياسياً، التقرير يضع إسرائيل في عزلة متزايدة، ويضاعف الضغط على حلفائها، خاصة الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، التي قد تجد نفسها أمام حرج قانوني وأخلاقي لدعمها المستمر لحرب وُصفت رسمياً بأنها إبادة. كما يعزز موقع الدول والمنظمات التي تنادي بمحاسبة إسرائيل ووقف تسليحها.
شهادة تاريخية
ما خلصت إليه لجنة التحقيق الأممية ليس مجرد وثيقة تضاف إلى أرشيف الأمم المتحدة، بل هو شهادة تاريخية توثق واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، وتجعل مأساة غزة تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتصبح قضية إنسانية كبرى على مستوى العالم، حيث يُختبر فيها مدى التزام المجتمع الدولي بالقانون والعدالة والإنسانية.







