في كلمة حادة خلال المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، دعا وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني «بالكامل»، معتبراً أن مسار طهران نحو امتلاك أسلحة نووية «يجب أن يُزال من جذوره».
هذه التصريحات، التي جاءت في قلب فيينا، تعكس إصرار واشنطن على فرض مسار صارم يطال جميع قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم، ما يفتح الباب أمام مواجهة سياسية ودبلوماسية جديدة في الوكالة.
رد إيراني: «المعرفة لا تُمحى»
لم تتأخر طهران في الرد، إذ أكد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي أن الصناعة النووية في بلاده «متجذرة ولا يمكن محوها عبر الاغتيالات أو الاعتداءات العسكرية».
تصريحات إسلامي عكست تحدياً واضحاً أمام الضغوط الأميركية والدولية، ورسالة بأن إيران ترى مشروعها النووي جزءاً من هويتها الاستراتيجية وليست مجرد ورقة تفاوضية.
غروسي يطرح «اختبار الثقة» مع طهران
في المقابل، حاول المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي اعتماد لهجة متوازنة، إذ أشار إلى أن «الوقت قد حان لتطبيق اتفاق» استئناف عمليات التفتيش الذي جرى التوصل إليه بين الوكالة وطهران الأسبوع الماضي في القاهرة.
واعتبر غروسي أن نجاح هذه الخطوة سيمثل «مؤشراً إيجابياً» على إمكانية بناء تفاهمات أوسع في المستقبل، لكن المراقبين يرون أن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى التزام إيران بالتنفيذ العملي.
معركة الروايات: أمن عالمي أم سيادة وطنية؟
بينما تصر واشنطن وحلفاؤها على أن برنامج إيران النووي يمثل تهديداً مباشراً للأمن العالمي، تتمسك طهران بخطاب يقوم على الدفاع عن «حقها السيادي» في امتلاك التكنولوجيا النووية.
هذا التباين في الخطاب يعكس معركة روايات لا تقل خطورة عن الجدل الفني والتقني، حيث تسعى كل من واشنطن وطهران إلى كسب الرأي العام الدولي إلى جانبها، سواء عبر التشديد على المخاطر أو عبر التركيز على حق الشعوب في التطوير العلمي.
فيينا تعود إلى الواجهة.. والتصعيد مرشح للتفاقم
المؤتمر الحالي للوكالة أعاد فيينا إلى صدارة المشهد النووي، في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالتوترات. فبين دعوة أميركية لـ«التفكيك الكامل»، وتمسك إيراني بـ«القدرات المتجذرة»، يقف المجتمع الدولي أمام مفترق طرق جديد.
المحللون يحذرون من أن أي فشل في التوصل إلى تفاهمات ملموسة قد يدفع الأزمة نحو مزيد من التصعيد، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على أمن الشرق الأوسط واستقرار النظام الدولي للحد من الانتشار النووي.
واشنطن تحاول فرض معادلة «الصفر النووي»
يرى الخبير الاستراتيجي د. محمود الكيلاني أن الدعوة الأميركية إلى «تفكيك كامل» للبرنامج النووي الإيراني ليست مجرد مطلب فني، بل تمثل محاولة لفرض معادلة «الصفر النووي» على طهران.
ويؤكد أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذا الموقف إلى قطع الطريق أمام أي مرونة تفاوضية قد تمنح إيران فرصة للاحتفاظ بجزء من قدراتها.
إيران تراهن على الوقت والقدرات المتراكمة
يقول المحلل الأمني حسن عبدو إن طهران تدرك أن مشروعها النووي بات ورقة قوة استراتيجية، ولذلك تراهن على الوقت وعلى استمرار تراكم المعرفة والخبرة لدى علمائها.
ويضيف أن حديث محمد إسلامي عن «المعرفة المتجذرة» يعكس استراتيجية إيرانية قائمة على أنه حتى لو تعرضت منشآتها النووية لضغوط أو هجمات، فإن القدرة على إعادة البناء ستظل قائمة.
غروسي يبحث عن «نافذة وسطية»
يعتبر الباحث في العلاقات الدولية د. ليلى مراد أن تصريحات المدير العام للوكالة رافاييل غروسي تمثل محاولة لفتح «نافذة وسطية» بين الموقفين الأميركي والإيراني.
وتوضح أن غروسي يسعى إلى تعزيز دور الوكالة كوسيط محايد، لكن نجاحه يعتمد على مدى استعداد طهران للقبول برقابة مشددة، ومدى استعداد واشنطن لمنح مسار التفتيش فرصة دون تصعيد فوري.
الملف النووي رهينة صراعات أوسع
يشدد الخبير في شؤون الشرق الأوسط د. أحمد الزيات على أن الملف النووي الإيراني لا يمكن عزله عن التوترات الإقليمية الأوسع.
ويشير إلى أن واشنطن ترى في هذا الملف ورقة للضغط على نفوذ إيران في المنطقة، بينما تستخدم طهران قدراتها النووية كورقة ردع في مواجهة أي محاولة لمحاصرتها سياسياً أو عسكرياً.
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة فيينا، د. يوسف العوضي، أن المؤتمر الحالي يشكل اختباراً جديداً لمدى قدرة المجتمع الدولي على إدارة أزمة متصاعدة منذ عقدين.
ويؤكد أن غياب توافق حقيقي قد يضع النظام الدولي للحد من الانتشار النووي أمام أزمة ثقة خطيرة، خصوصاً إذا مضت إيران في تطوير قدراتها بينما تعجز القوى الكبرى عن بلورة موقف موحد.







