تمثل السويداء حالة فريدة في المشهد السوري، ليس فقط بتركيبتها الديموغرافية ذات الغالبية الدرزية، بل أيضًا بدورها كنموذج مصغر لصراع الهوية والسلطة والمستقبل في سوريا ما بعد الحرب. غير أن اختزال الدروز في السويداء وحدها أو في خطاب زعيم ديني بعينه يغفل عن حقيقة تنوع مواقعهم الجغرافية ومواقفهم السياسية. فوجودهم ممتد إلى جرمانا على تخوم دمشق، والعاصمة نفسها، والقنيطرة، ما يجعلهم طائفة موزعة جغرافيًا ومتعددة في رؤاها، أبعد ما تكون عن التوحد خلف مرجعية واحدة أو خطاب سياسي واحد.
حياد تاريخي وتوتر مزمن مع المركز
منذ اندلاع الثورة السورية، تمايزت السويداء عن باقي المحافظات. لم تنخرط بشكل واسع في الصراع المسلح، لكنها في الوقت نفسه لم تصطف كليًا خلف النظام. هذا الموقف الوسطي لم يكن طارئًا، بل امتدادًا لعلاقة متوترة مع السلطة المركزية منذ خمسينيات القرن الماضي، حين واجه الدروز حملة أديب الشيشكلي، مرورًا بسياسات التهميش في عهد البعث. المطالب التي ترفع اليوم، مثل رفض التجنيد الإجباري، جاءت تعبيرًا عن رغبة في حماية الذات وضمان الكرامة والخدمات الأساسية. ورغم أن الحكومة الانتقالية أعلنت مؤخرًا إلغاء التجنيد الإجباري، فإن الذكرى السياسية لذلك تبقى حاضرة بقوة في الوعي الجماعي للطائفة.
بين الانفصال والوحدة الوطنية
الحديث عن انفصال السويداء يبدو غير واقعي لأسباب جيوسياسية واضحة: غياب الدعم الدولي، الطبيعة الجغرافية المغلقة، والانقسام الداخلي داخل الطائفة نفسها. وبينما يدعو بعض الأصوات إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي، يبقى السيناريو الأكثر واقعية هو توسيع صلاحيات الإدارة المحلية ضمن الدولة السورية، بما يعزز الثقة بين المركز والأطراف. فالدروز في دمشق وجرمانا مثلًا يعبرون عن مواقف أكثر اندماجًا، ويرفضون اختزال الطائفة في خطاب فردي أو ديني واحد، معتبرين أن الانتماء الوطني لا يتناقض مع الخصوصية الدينية أو الثقافية.
مقارنة مع التجربة العلوية
التجربة التاريخية للدروز تختلف عن تجربة العلويين. فالدروز واجهوا حملات عسكرية مباشرة وتهميشًا سياسيًا، لكنهم حافظوا على استقلالية دينية واضحة. في المقابل، عانى العلويون من تهميش اجتماعي ووصم ديني طويل الأمد قبل أن يصعدوا إلى السلطة عبر المؤسسة العسكرية مع حافظ الأسد. كلا الطائفتين تعرض لأشكال مختلفة من التمييز، لكن مسارات التعامل مع الدولة جاءت متباينة: الأولى عبر الدفاع عن الخصوصية، والثانية عبر إعادة تشكيل الدولة نفسها.
أزمة هوية وطنية لا أزمة محلية
المطالب الدرزية ليست نزعة انفصالية بقدر ما هي مرآة لأزمة العقد الاجتماعي في سوريا ككل. إذ تكشف هشاشة الثقة بين المركز والأطراف وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع سوريا أن تكون دولة متعددة الهويات دون أن تنزلق نحو التفكك؟ الجواب لا يكمن في القمع أو التهميش، بل في الاعتراف بالتنوع وتقديم نموذج جديد للحكم المحلي يعيد الثقة ويمكّن المجتمعات من المشاركة الفاعلة. فالسويداء لا تطلب الانفصال، بل الاحترام. والدروز، شأنهم شأن بقية السوريين، يريدون دولة تتسع لخصوصياتهم دون أن تحرمهم من الانتماء الوطني.






