في زنازين ضيقة لا يدخلها الضوء إلا بقدر ضئيل، تتكدّس الحكايات الموجعة خلف القضبان. هناك، يعيش بلال عثمان، الأسير الذي تخطى منتصف العمر وهو يجرّ معه جسداً مثقلاً بالأمراض والإصابات. كلية واحدة تكافح لتبقيه على قيد الحياة منذ إصابته عام 1994، بينما يتناوب النقرس وتخثّر الدم على إنهاك جسده.
ألم دائم
لم يكتف السجّانون بحرمانه من العلاج، بل صبّوا الماء الساخن على يده، وكسرت عصيّهم إصبعه البنصر، وتركت آثار الضرب على ظهره ورجليه. خمسة عشر مؤبداً وخمس وثلاثون سنة حكمٌ ثقيل، لكن قسوة الألم والإهمال الطبي أشد وطأة من أي حكم.
إلى جواره، يعاني محمد ضراغمة من محافظة طوباس من العذاب ذاته. جسده الشاب، الذي لم يتجاوز الرابعة والثلاثين، صار هشاً وهو يفقد خمسة عشر كيلوغراماً من وزنه تحت وطأة مرض “السكابيوس” والديسكات في الظهر والرقبة. كل حركة بسيطة تحولت إلى ألم دائم، وكل ليلة إلى معركة مع الحكة والجروح التي تزداد ولا تجد دواء.
قهر مشترك
أما محمد سرحان، ابن الخامسة والعشرين من مخيم الفارعة، فقد وجد نفسه أسيراً إدارياً بلا محاكمة ولا تهمة، محكوماً فقط بالانتظار في زمن معلّق. جسده لم يسلم هو الآخر من “السكابيوس”، والدمامل تنتشر فيه كأنها تعكس قسوة السجن نفسه.
ثلاثة أسرى، ثلاثة أجساد تنزف بصمت، يجمعهم القهر المشترك، وغياب العلاج، والإهمال المقصود الذي يحوّل الزنازين إلى أماكن موت بطيء. قصتهم ليست استثناء، بل صورة من صور المعاناة اليومية لعشرات المرضى في سجون الاحتلال، حيث يتحوّل المرض إلى سلاح إضافي، ويصبح الصمود هو الدواء الوحيد الممكن.






