تعيش الدبلوماسية الفلسطينية لحظة مفصلية في هذه المرحلة، مع اقتراب موجة جديدة من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، في ظل تصاعد جرائم الاحتلال في قطاع غزة واستمرار العدوان في الضفة الغربية. تصريحات وزيرة الخارجية فارسين شاهين تعكس إدراكا فلسطينيا بأن المعركة لم تعد محصورة في الميدان العسكري، وإنما في الساحة السياسية والدبلوماسية العالمية، حيث يشكل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين رافعة معنوية وقانونية، وفرصة لتعزيز الموقف الفلسطيني على طاولة المفاوضات المستقبلية.
مشاهد مروعة
الأرقام الصادمة التي استعرضتها شاهين حول الشهداء والجرحى في غزة، والتي تفضح فداحة حرب الإبادة المستمرة منذ عامين، أعطت بعدا أخلاقيا لهذه المعركة السياسية، إذ لم يعد بالإمكان تجاهل مأساة عشرات الآلاف من الضحايا، أو الصمت على مشاهد النزوح الجماعي والموت جوعا. من هنا، تبدو الرسالة الفلسطينية واضحة: المجتمع الدولي ليس فقط أمام اختبار للتضامن، بل أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لوقف هذه الجرائم.
الاعترافات الجديدة المرتقبة من دول مثل بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال، ثم لاحقا من فرنسا وبلجيكا ومالطا وغيرها، تحمل رمزية كبيرة لأنها تأتي من دول غربية مؤثرة لطالما اعتُبرت قريبة من الموقف الإسرائيلي أو مترددة في اتخاذ خطوات عملية لصالح الحق الفلسطيني. هذا التحول النوعي يعكس أن الرواية الفلسطينية أصبحت أكثر حضورا، وأن صور الحرب المدمرة على غزة دفعت الرأي العام الغربي للضغط على حكوماته، بما جعلها تقترب من الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
رسالة سياسية
التأكيد على أن الاعتراف بدولة فلسطين يعني بوضوح عدم وجود سيادة لإسرائيل على هذه الأرض، يمثل رسالة سياسية مهمة، ليس فقط للفلسطينيين، بل أيضا للإسرائيليين الذين اعتادوا التعامل مع الأراضي الفلسطينية باعتبارها مناطق متنازع عليها أو قابلة للتوسع الاستيطاني. الاعتراف يضعف هذه الذرائع، ويجعل أي مشروع استيطاني أو تهجيري في مواجهة مباشرة مع الشرعية الدولية.
ومع ذلك، فإن هذا المسار الدبلوماسي يواجه تحديات كبيرة، أبرزها أن الاعترافات الدولية وحدها لا تكفي لتغيير ميزان القوى على الأرض، في ظل استمرار الاحتلال وسيطرته العسكرية والأمنية. لكن يمكن القول إن الاعترافات تشكل رصيدا إضافيا في معركة نزع الشرعية عن الاحتلال، وتفتح الباب أمام مقاربات جديدة في مجلس الأمن والمحاكم الدولية، حيث تصبح إسرائيل معزولة أكثر فأكثر.
إعادة صياغة التوازنات الدولية
من زاوية أخرى، تصريحات شاهين بشأن أن أي خطة لليوم التالي في غزة يجب أن تشمل السلطة الوطنية الفلسطينية تحمل أبعادا استراتيجية، فهي ترفض أي محاولات إسرائيلية أو دولية لفرض بدائل سياسية أو إدارية خارج إطار منظمة التحرير والسلطة. هذا الموقف يعيد تثبيت المرجعية الفلسطينية ويغلق الباب أمام مشاريع تقسيم أو وصاية دولية يمكن أن تفرغ القضية من مضمونها الوطني.
التحركات الدبلوماسية الفلسطينية الراهنة تؤكد أن المعركة لم تعد تقتصر على مواجهة الإبادة في غزة، بل تتجاوزها إلى إعادة صياغة التوازنات الدولية بشأن فلسطين. وإذا ما نجحت هذه الاعترافات في التراكم، فإنها ستؤسس لمرحلة جديدة تعزز حضور الدولة الفلسطينية كحقيقة سياسية وقانونية، مهما حاول الاحتلال فرض واقع مغاير بقوة السلاح.







