في ظهوره الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدّم الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرّع روايةً تصوغ العقوبات باعتبارها وسيلةً لا غاية: لا بدّ من تفكيكها كي تُخدم إعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار ووحدة البلاد. في الوقت نفسه، حرص على تثبيت رسائل سياسية إلى العواصم المتحفظة: لا تقسيم، ولا هندسة ديموغرافية جديدة، ووحدة الشعب والدولة إطارٌ حاكمٌ لأي مسار اقتصادي أو أمني لاحق. هذه العناوين حضرت في تغطيات سانا لخطابه في نيويورك وفي نشاطه الدبلوماسي المواكب، بوصفها “تعهدات سيادية” يدفع عبرها الشرّع باتجاه استعادة الشرعية الدولية لسوريا ما بعد الحرب.
واقع العقوبات اليوم: ما رُفع… وما بقي مقفلاً
على الضفة المقابلة، تصف روايات غربية المشهد على النحو الآتي: رفعت واشنطن معظم الإجراءات التنفيذية في أيار/مايو الماضي، لكن “قانون قيصر” نفسه بقي نافذاً، وتدور في الكونغرس مناقشات لفكه – كلياً أو جزئياً – ربما عبر إدراجه في حزمة الدفاع بنهاية العام. عملياً، يعني ذلك أن نافذةً فُتحت أمام التمويل الإسعافي والبنية التحتية الخدمية، بينما ظلّت مفاتيح المنظومة القانونية التي تُخيف المصارف وشركات التأمين في مكانها. لهذا يضغط الشرّع كي يتحوّل “التخفيف” المؤقت إلى رفعٍ مُقنَّن يتيح تمويلاً واسعاً وقابلاً للتنفيذ على الأرض. Reuters
شرعية خارجية قيد الاختبار
زيارات واجتماعات الشرّع في نيويورك عُرضت في الصحافة الدولية كـ“تدشين” لرجل دولة جديد يحاول تحويل ماضيه من عبءٍ إلى رأس مال سياسي: الانتقال من قائدٍ ميداني إلى رأس سلطةٍ انتقالية يسوّق الاستقرار، ويُلوّح بشراكاتٍ أمنية ضدّ بقايا “داعش”، ويتحدّث حتى عن قنوات أمنية مع إسرائيل لوقف الضربات جنوباً. هذه السردية تمنحه قبولاً براغماتياً لدى بعض العواصم، لكنها تُبقي ملفّ المشروعية والحوكمة تحت مجهرٍ صارم: هل تستطيع السلطة الانتقالية بناء مؤسسات رقابة وقضاء مستقِلَّين يكبحان اقتصاد الحرب والشبكات الرمادية؟ The Guardian+1
معادلة الرفع المشروط: من “تخفيف” إنساني إلى “استثمار” إنتاجي
اقتصادياً، لا يكفي تعليق بعض القيود ليتحوّل المزاج الاستثماري فوراً. تحتاج سوريا إلى ثلاث طبقات متلازمة:
رُخَصٌ تنظيمية واضحة تحمي المصارف والناقلين والمُؤمّنين من مخاطر الامتثال عبر “قواعد تعرف الزبون” وسلاسل دفع شفافة.
أولوية للمشاريع المولِّدة للنقد (كهرباء، مياه، مرافئ لوجستية، اتصالات) بدل الاكتفاء بالإسعاف الغذائي، حتى لا ترتدّ المساعدات إلى تضخّمٍ جديد.
حوكمة مشتريات عامة تَحُول دون إعادة تدوير شبكات الريع القديمة بأسماء جديدة.
هنا تتقاطع مطالب الشرّع مع خطوطٍ حمراء غربية: الإمكانية قائمة لانتقالٍ من “إغاثة مشروطة” إلى “استثمار مشروط” إذا ترافق ذلك مع مؤشرات ملموسة على سيادة القانون، واحتواء الميليشيات، وضبط المعابر. Al Jazeera
السياسة قبل التمويل: أين تقف واشنطن؟
البيت الأبيض قدّم الصفقة داخلياً بوصفها تعديل مخاطر: إبقاء المسارات الإنسانية والاقتصادية مفتوحة بما يخدم الاستقرار الإقليمي، مع الإبقاء على زرّ “العودة السريعة للعقوبات” إذا انحرفت المرحلة الانتقالية. في المقابل، يبقى الكونغرس ساحة التحدّي الحقيقي: أي صياغة تشريعية لتخفيف قيصر ستربطها لجانٌ معنية بمقاييس المساءلة والعدالة الانتقالية وملفّ المفقودين، إضافة إلى آليات تحقيق مستقلّة تمكّن من قياس التقدّم بدلاً من وعود عامة. لهذا يتصرّف الشرّع سياسياً على مسارين متوازيين: كسب تعاطفٍ تنفيذيّ عبر “خطاب الوحدة”، وإقناع تشريعيّ عبر “قابلية القياس”. Reuters
الدبلوماسية كرافعة اقتصادية: من نيويورك إلى العواصم المانحة
الانخراط الكثيف في أروقة الأمم المتحدة لم يكن استعراضاً بروتوكولياً. هو محاولة لخلق ائتلاف مانحين يُقَطِّع المخاطر: تمويل أوروبي للبنية الأساسية، تسهيلات ائتمانية عربية للسلع الأساسية، أدوات ضمان أميركية محدودة، ومشاركة مؤسسات مالية دولية عبر نوافذٍ لا تنتهك قيصر إن بقي قائماً. فإذا نجحت هذه الصيغة، يمكن لصندوقٍ مُختلط أن يموّل مشاريع “سريعة الأثر” في الكهرباء والمياه والنقل، على أن تُصمَّم عقودها بحيث لا تمرّ عبر شبكات الحرب القديمة. PBS
اختبار “الوحدة” على الأرض: اللامركزية، الحدود، وعودة اللاجئين
خطاب وحدة التراب والدولة يُطمئن الخارج، لكنه يواجه أسئلة تنفيذية صعبة في الداخل:
تقنية اللامركزية: أي توزيعٍ للصلاحيات يضمن كفاءة الخدمات من دون خلق “كانتونات أمر واقع”؟
ضبط الحدود والمعابر: شرطٌ لازم لسيادة مالية وجمركية تمنع اقتصاد التهريب من ابتلاع أي تعافٍ ناشئ.
عودة اللاجئين: لا يكفي الأمن السلبي؛ تحتاج العودة إلى عقود اجتماعية: أوراق ثبوتية، تسويات قانونية، وسكن ميسّر يمنع انفجار سوق الإيجارات.
كل بندٍ من هذه البنود مرتبط بالثقة: ثقة المواطنين بأن الدولة الجديدة لا تعيد إنتاج “اقتصاد القمع”، وثقة الشركاء بأن أموالهم لن تتبخر في تسويات غير شفافة. عنب بلدي
خلاصة الاتجاه: رفعٌ تدريجي مقابل “معايير قابلة للقياس”
إذا كان الشرّع يقول إن العقوبات وسيلة لا غاية، فإن العواصم المانحة ستتعامل مع الرفع بالمنطق نفسه: رفعٌ تدريجي يوازيه تَقدُّمٌ قابل للقياس في ملفات الحكم الرشيد وضبط السلاح والعدالة الانتقالية. عندها فقط يمكن تحويل خطاب نيويورك إلى رصيدٍ ائتمانيّ وسياسي يفتح تمويلاً مستداماً للبنية التحتية، ويمنح الاقتصاد السوري فرصة الخروج من اقتصاد الطوارئ إلى اقتصاد الإنتاج. هذا هو خط التماس الحقيقي بين لغة المنصّة ولغة الدفاتر: الأولى تبني الرواية، والثانية تُحرّك الأموال. UN Web TV+1







