في تحرك دبلوماسي لافت، أعلنت السعودية إلى جانب 11 دولة من أوروبا وآسيا، عن إطلاق «التحالف الطارئ للاستدامة المالية للسلطة الفلسطينية»، وذلك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
التحالف، الذي يضم بلجيكا والدنمارك وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا واليابان والنرويج وسلوفينيا وإسبانيا وسويسرا والمملكة المتحدة، جاء استجابةً مباشرة للأزمة المالية العميقة التي تهدد استقرار السلطة الفلسطينية وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
أهداف واضحة: تثبيت الاستقرار وصون حل الدولتين
التحالف يهدف إلى دعم الوضع المالي للسلطة الفلسطينية لضمان استمرارها في تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، والحفاظ على الأمن الداخلي، وهي عوامل يعتبرها المجتمع الدولي أساسية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وصون حل الدولتين.
وأكد البيان المشترك أن «المساعدات قصيرة الأجل لم تعد كافية»، وأن الوقت قد حان لاعتماد مقاربة طويلة المدى تقوم على الاستدامة والشفافية، بالشراكة مع المؤسسات المالية الدولية.
التحالف الجديد لم يقتصر على الدعم المالي فقط، بل حمل رسالة سياسية واضحة إلى إسرائيل؛ إذ طالب وزراء خارجية الدول المؤسسة بـ الإفراج الفوري عن أموال المقاصة الفلسطينية التي تحتجزها تل أبيب، ووقف الإجراءات التي تهدد بزعزعة الوضع المالي للسلطة أو تقويض قدرتها على الاستمرار.
الوزراء حذروا من أن استمرار هذه السياسات لا يضر فقط بمصالح الفلسطينيين، بل يهدد السلام والأمن الإقليمي والدولي.
خبراء: التحالف «رسالة دولية مزدوجة»
يرى خبراء أن إطلاق التحالف يعكس تحولاً في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة الفلسطينية؛ فبدلاً من الاعتماد على منح مؤقتة أو تدخلات منفصلة، يتم الآن تشكيل مظلة تنسيقية أشمل وأكثر استدامة.
ويقول الدكتور سامر خوري، أستاذ العلاقات الدولية، إن «التحالف يحمل رسالة مزدوجة: دعم سياسي واقتصادي للسلطة من جهة، وضغط على إسرائيل من جهة أخرى للعودة إلى التزاماتها المالية والاتفاقيات السابقة».
هل تنجح المبادرة في تحقيق أهدافها؟
على الرغم من الترحيب الواسع، يشير محللون إلى أن نجاح التحالف مرهون بقدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية جادة، وباستجابة إسرائيل للمطالب الدولية بشأن تحويل أموال المقاصة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي مازن العلي أن «التحالف خطوة مهمة لكنها ليست كافية وحدها… المطلوب هو توافق سياسي واقتصادي متكامل يضمن استدامة التمويل ويمنع الانهيار المالي المتكرر».
تحرك نوعي يعكس ثقل الرياض الدولي
يرى الخبير في الشؤون الإقليمية الدكتور عبدالله الشمري أن إطلاق التحالف الطارئ بجهود سعودية يمثل «تحولاً نوعياً في إدارة الأزمة الفلسطينية». ويقول: «السعودية لم تكتفِ بإصدار بيانات دعم، بل قادت عملياً تحركاً متعدد الأطراف ضم قوى دولية مؤثرة، ما يؤكد ثقلها السياسي والاقتصادي المتزايد على الساحة الدولية».
ويضيف الشمري أن هذا التحالف يمنح الرياض دوراً محورياً في صياغة مقاربة جديدة لحل الأزمة المالية الفلسطينية، قائمة على الشراكة لا المساعدات المؤقتة.
يؤكد الخبير في العلاقات الدولية الدكتور سامي خوري أن التحالف الجديد يتجاوز الجانب المالي ليشكل ضغطاً سياسياً مباشراً على إسرائيل.
ويشرح: «التحالف لم يأتِ فقط لتقديم دعم مالي، بل تضمّن موقفاً موحداً يطالب تل أبيب بالإفراج عن أموال المقاصة فوراً، وهو ما يعكس إجماعاً دولياً غير مسبوق على ضرورة وقف الإجراءات التي تضعف السلطة الفلسطينية».
ويعتبر خوري أن هذا الموقف الجماعي «يضع إسرائيل أمام مسؤولياتها القانونية والسياسية، ويصعّب عليها تجاهل المطالب الدولية».
الاستدامة المالية شرط لبقاء السلطة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الفلسطيني مازن العلي أن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة «لم تعد تحتمل حلولاً مؤقتة أو مساعدات موسمية».
ويقول:«السلطة تحتاج إلى تدفق مالي منتظم ومستدام يمكّنها من دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية والحفاظ على الأمن الداخلي… دون ذلك، ستبقى مهددة بالانهيار في أي لحظة».
ويضيف أن التحالف الجديد قد يوفر هذه المظلة التمويلية المستقرة، لكنه يشدد على أن نجاحها يتطلب تنسيقاً فعّالاً مع المؤسسات المالية الدولية.
الخبيرة في الحوكمة والإصلاح الإداري ريم ناصر تشير إلى أن الدعم الدولي وحده لن يكون كافياً ما لم تقم السلطة الفلسطينية بإجراء إصلاحات عميقة.
وتوضح: «المانحون يريدون ضمان الشفافية والمساءلة… هناك مطالب واضحة بتطوير النظام المالي والإداري للسلطة حتى تكون المساعدات فعالة ومستدامة».
وتحذر ناصر من أن «أي تردد في تنفيذ هذه الإصلاحات سيضعف ثقة المجتمع الدولي، وقد يعرض التحالف لخطر التراجع أو فقدان الزخم».
خطوة اقتصادية بأبعاد سياسية استراتيجية
يعتبر الباحث في شؤون السلام الإقليمي عادل الصفدي أن هذا التحالف لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الأشمل في المنطقة.
ويقول: «التحالف هو في جوهره استثمار في استقرار المنطقة، لأنه يهدف إلى منع انهيار السلطة الفلسطينية، وهو ما سيحافظ على الحد الأدنى من التنسيق الأمني والسياسي، ويمنع فراغاً قد تستفيد منه قوى متطرفة».
ويضيف أن نجاح هذا التحالف سيكون له تأثير مباشر على مستقبل عملية السلام، وعلى شكل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.







