في مشهدٍ لم يكن أكثر المراقبين تفاؤلًا يتوقعه قبل عامين فقط، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الأربعاء 15 أكتوبر/تشرين الأول، أحمد الشرع، رئيس الحكومة السورية الجديدة، في الكرملين بصفته “القيادة الشرعية لسوريا المستقبل”.
لقاءٌ قصير في زمنه، عميق في دلالاته، فتح الباب أمام سؤالٍ يهمّ العواصم قبل العناوين:
هل طلب أحمد الشرع من بوتين تسليم بشار الأسد، اللاجئ في الأراضي الروسية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024؟
وماذا لو كان الكرملين بالفعل يستعد للتخلي عن الرجل الذي حمل راية موسكو في دمشق طوال عقدٍ كامل؟
رغم النفي الروسي الرسمي، تتقاطع التسريبات من مصادر دبلوماسية وصحفية لتؤكد أن موسكو بدأت مراجعةً شاملة لملف الأسد وأركان نظامه السابق، وأنها تدرس خياراتٍ عدة، تتراوح بين الإقامة الجبرية الطوعية والتسليم القانوني المحدود، في إطار “تطبيع سياسي جديد” مع الحكومة السورية المنتخبة.
لكنّ القرار الروسي – إذا اتخذ – لن يكون بدافعٍ إنساني أو أخلاقي، بل نابعًا من ثلاثة اعتبارات استراتيجية صرفة، تختزل مزيج البراغماتية الروسية والبرود الكرمليني المعروف تجاه حلفائه عند انتهاء صلاحيتهم.
السبب الأول: حماية المصالح الروسية لا الأشخاص
منذ اللحظة التي قررت فيها موسكو التدخل العسكري في سوريا عام 2015، لم تُخفِ نواياها الحقيقية. فقد كان واضحًا أن هدفها لم يكن إنقاذ النظام بقدر ما كان تثبيت أقدامها على ضفاف المتوسط بعد غيابٍ دام عقودًا عن المسرح الشرق أوسطي. القواعد الروسية في حميميم وطرطوس لم تكن مجرد مواقع عسكرية، بل رموزًا لعودة روسيا كقوة بحرية عظمى إلى البحر الدافئ، وضمانة لخطوط الإمداد والسلاح والطاقة التي تمتد من موسكو إلى دمشق، ومن المتوسط إلى البحر الأسود.
في هذه المعادلة، لم يكن بشار الأسد أكثر من واجهة سياسية تسمح للكرملين بتمرير مصالحه في غلافٍ من “الشرعية السيادية”. فروسيا لم تكن ترى في الأسد شريكًا بقدر ما كانت تعتبره بوابةً مؤقتة لعودة نفوذها في الإقليم، ورجلًا قابلًا للاستبدال متى فقد قيمته الوظيفية. طوال سنوات الحرب، تعامل بوتين مع دمشق كملف قابل للإدارة لا كتحالف أيديولوجي، ومع الأسد كـ “رمز قابل للصرف” في لعبة النفوذ الدولي.
لكنّ سقوط النظام وفرار عائلته في نهاية 2024 بدّل الحسابات. فروسيا، التي بنت حضورها في سوريا على أساس حماية الدولة لا الدفاع عن شخص، وجدت نفسها أمام مأزقٍ استراتيجي: كيف تضمن استمرار مصالحها الاقتصادية والعسكرية في بلدٍ تغيّر نظامه دون أن تُتهم بأنها قوة احتلال؟ في تلك اللحظة الدقيقة، كان المنطق الروسي يميل إلى الحل البارد المعتاد — التضحية بالشخص للحفاظ على الجغرافيا.
التقدير في الكرملين اليوم بسيط إلى حد القسوة: بشار الأسد أدى دوره وانتهى. فالقواعد الروسية محمية باتفاقيات تمتد لعشرات السنين، والديون العالقة ستُعاد جدولتها ضمن برامج إعادة الإعمار التي ستقودها موسكو بشراكةٍ مع الحكومة الجديدة، أما صفقات السلاح فستجد طريقها مجددًا إلى أي سلطة تبحث عن توازنٍ بين الغرب والشرق. لذلك، لا حاجة لإبقاء رجلٍ فقد شرعيته وشعبيته ولم يعد يمثل سوى عبءٍ رمزي على روسيا.
إنها البراغماتية الروسية في أنقى صورها: الاحتفاظ بالأرض لا بالأشخاص، بالمصالح لا بالعواطف. فموسكو لا ترى في الأسد نهاية قصة حليف، بل محطة عابرة في رحلةٍ أطول لتثبيت حضورها في الشرق الأوسط. وبالنسبة لبوتين، الذي لا يؤمن بالوفاء في السياسة بل بالجدوى، لا يهم من يحكم دمشق طالما أن السفن الروسية تواصل الرسو في طرطوس، والطائرات تواصل الإقلاع من حميميم، والعقود تظل موقعة باسم روسيا الاتحادية.

السبب الثاني: التنصل من الإرث الدموي للنظام
منذ دخولها العسكري إلى الساحة السورية عام 2015، حملت روسيا على كتفيها عبئًا مزدوجًا: عبء إنقاذ النظام المنهار، وعبء الدفاع عن صورتها أمام العالم وهي تُقصف المدن وتُهدم المستشفيات باسم “محاربة الإرهاب”. فبينما كانت موسكو تبرّر تدخلها بأنه دفاعٌ عن الدولة السورية ومنعٌ لانهيار مؤسساتها، كانت صور الغارات على حلب والغوطة وإدلب تُبثّ على شاشات العالم، وتتحوّل إلى مادة دائمة في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية التي وثّقت مئات الضربات الجوية التي شارك فيها سلاح الجو الروسي إلى جانب قوات الأسد.
ورغم محاولات الكرملين المتكررة لتفنيد تلك الاتهامات أو نسبها إلى “تلاعب إعلامي غربي”، فإن الأثر تراكم بمرور الوقت. فقد أصبحت روسيا، في الوعي الدولي، مرتبطةً بملفٍّ دمويٍّ يصعب فصله عن النظام الذي حَمته. حتى الدول التي نسّقت مع موسكو سياسيًا، وجدت نفسها مضطرة للدفاع عنها على استحياء، بينما استخدمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا السجلّ كأداة ضغط في كل مفاوضة تتعلق بسوريا أو أوكرانيا أو حقوق الإنسان. ومع نهاية العقد الثاني من الحرب، صار من الواضح أن استمرار رعاية موسكو للأسد يعني استمرار تورطها الرمزي في جرائمٍ لا تسقط بالتقادم.
من هنا تنبع البراغماتية الروسية في التفكير بالتخلي عن الأسد أو رفع الغطاء عنه. فتسليمه – أو حتى تركه يواجه مصيره القانوني – لا يُقرأ في الكرملين كتنازل، بل كعملية تنظيفٍ سياسي ضرورية تُعيد تعريف دور روسيا من “شريكٍ في الجريمة” إلى “ضامنٍ للانتقال”. فهي خطوة رمزية لكنها شديدة الفعالية من منظور القانون الدولي: فبمجرد أن يُرفع الغطاء عن الأسد، تنفصل المسؤولية الجنائية عن الحليف القديم وتغدو حصرًا في شخصه، ويُغلق الباب أمام أي ملاحقة قد تطال الروس بوصفهم شركاء في القرارات التي أودت بحياة المدنيين.
بهذه المناورة، تقدم موسكو نفسها مجددًا بصورتها المفضلة: القوة التي تنهي الحروب لا التي تشعلها. فبعد أعوام من الاستنزاف الدبلوماسي والعقوبات، تدرك القيادة الروسية أن العالم لا يبحث عن عدالةٍ كاملة بقدر ما يبحث عن مخرجٍ واقعي. وتدرك أيضًا أن الغرب، رغم كل شعاراته الأخلاقية، لا يمانع في طيّ صفحة الماضي إذا اقترن ذلك بتنازلٍ رمزي يُتيح له حفظ ماء الوجه. وهكذا يتحول “تسليم الأسد” من إجراء قضائي إلى صفقة سياسية ذات وظيفة مزدوجة: تُنقذ روسيا من ثقل الإرث الدموي، وتفتح أمامها أبواب المشاركة في إعادة إعمار سوريا من موقع “الضامن” لا “المتهم”.
إنها في النهاية ممارسة كلاسيكية للواقعية الروسية: تبرئة الذات من خلال تحميل الحليف كل الخطايا. فبشار الأسد، الذي كان يومًا رمزًا للصمود في الرواية الروسية، يُعاد اليوم تشكيله كورقة يمكن التضحية بها لاستعادة الدور، لا كصديقٍ يُدافع عنه باسم الوفاء.

السبب الثالث: الأسد… الورقة التي احترقت
في أروقة صنع القرار في موسكو، لم يعد اسم بشار الأسد يثير أي جدل أو حماسة منذ زمن. فالرجل الذي اعتبرته روسيا ذات يوم “رمزًا للصمود” تحوّل تدريجيًا إلى عبءٍ ثقيل على صورتها ومصالحها في الشرق الأوسط. بعد معركة إدلب التي انتهت بخسائر مهينة لقواته، تراجعت الثقة به داخل الدوائر العسكرية الروسية إلى حدّ الإزدراء. فقد انهار جيشه في مواجهة فصائل محلية كانت موسكو تتوقع سحقها في أسابيع، بينما أثبتت الأجهزة الأمنية الموالية له هشاشتها وانقسامها، تاركةً البلاد نهبًا للفوضى وتجارة النفوذ.
الجنرالات الروس الذين قادوا العمليات في حلب وتدمر وإدلب يتحدثون اليوم عنه بلا مواربة: “رجل خائف، لا يملك شجاعة الميدان ولا انضباط القرار”. وحتى الدبلوماسيون الروس، المعروفون بتلطيف العبارات، يرونه زعيمًا فقد القدرة على التفاوض، محاصرًا بين غروره وتبعيته. فكل ما بقي للأسد من سلطة هو التوقيع على الأوراق التي يُملى عليه محتواها، بعدما تحوّل من رئيسٍ يملك القرار إلى رهينةٍ للضمانات الخارجية التي تهاوت واحدة تلو الأخرى.
ولفلاديمير بوتين، الذي بنى صورته على الصلابة والقدرة على الحسم، يمثّل الأسد النقيض الكامل: زعيمٌ متردد، يهرب من المواجهة، ويُخفق حتى في إدارة رمزية “النصر” الذي صنعته له موسكو. إن استقبال أحمد الشرع في الكرملين كرئيسٍ فعلي لسوريا لم يكن مجرّد بروتوكول دبلوماسي، بل رسالة سياسية واضحة: إن زمن الأسد انتهى، وإن روسيا لا تربط مصيرها بشخصٍ أثبت أنه لا يجيد سوى النجاة المؤقتة.
في الكواليس، تتداول بعض الدوائر الروسية سيناريو يُسمّى “التصفية الصامتة” — وهو توصيف يعبّر عن طريقة موسكو في طيّ الملفات التي فقدت قيمتها من دون ضجيج. السيناريو لا يعني بالضرورة اغتيالًا مباشرًا، بل “اختفاءً منظّمًا” يُنهي وجود الأسد كفاعل سياسي أو رمزي. فموسكو تعلم أن أي بقاءٍ له، ولو شكلي، يشكّل قنبلة مؤجلة يمكن أن يستغلها خصومها في أي تفاوضٍ مستقبلي.
اليوم، يبدو وضع الأسد في روسيا أقرب إلى “الاحتجاز المحمي” منه إلى اللجوء السياسي. لا يتحرك إلا بإذن، لا يُسمح له بالظهور العلني، ولا تصدر عنه تصريحات أو صور جديدة منذ شهور. كل شيء يوحي بأنه يعيش داخل دائرة مغلقة من المراقبة والسيطرة، وأن موسكو لا ترى فيه لاجئًا سياسيًا بل ورقة منتهية الصلاحية تُحفظ في الأرشيف لحين الحاجة، لا أكثر.
في النهاية، قد لا تحتاج روسيا إلى إعلان سقوط الأسد رسميًا؛ فالصمت وحده كافٍ لإعدامه سياسيًا. فحين تُسحب الكاميرات وتُقطع الاتصالات، يموت الزعيم المعزول ببطءٍ داخل قوقعته، ويبدأ عهدٌ جديد تُكتب فيه الرواية الروسية من دون اسمه، تمامًا كما أراد بوتين: أن يبقى التاريخ ملكًا للمنتصرين، لا للذين لجأوا إليهم.
نهاية رجلٍ لم يفهم قواعد اللعبة
منذ اللحظة الأولى للتحالف بين موسكو ودمشق، لم يكن هناك توازن حقيقي في العلاقة. فروسيا كانت تنظر إلى سوريا كمنصةٍ لعودتها إلى الشرق الأوسط، أكثر مما كانت تراها دولةً تحتاج إلى إنقاذ. أما بشار الأسد، فكان يرى في بوتين طوق النجاة الأخير، المظلة التي تضمن بقاءه في السلطة ولو فقد كل شيء آخر. كان تحالفًا يقوم على الخوف أكثر مما يقوم على الثقة، وعلى المصلحة أكثر مما يقوم على الشراكة. لذلك، لم يكن مقدّرًا له أن يصمد طويلاً أمام تغيّر الموازين.
الحرب الأوكرانية أعادت ترتيب الأولويات في الكرملين. فبوتين، الذي غاص في مستنقع مواجهة الغرب، لم يعد بحاجة إلى نظامٍ هشٍّ في دمشق يستنزف موارده ويذكّره بفشلٍ أخلاقي وسياسي صار عبئًا على صورته. روسيا الجديدة، المنشغلة بإعادة بناء تموضعها العالمي، تريد أن تدخل مرحلة “البراغماتية المركّزة”: اقتصادٌ مفتوح على الشراكات، وانخراطٌ ناعم في إعادة إعمار مناطق النفوذ القديمة، لا عبر الدبابات بل عبر شركات الطاقة والعقارات والسلاح. وفي هذه الرؤية، لا مكان لرئيسٍ فقد شرعيته وأصبح اسمه مرادفًا للدمار والفساد والعزلة.
تسليم بشار الأسد – أو التخلص منه بوسيلة أكثر غموضًا – لا يُعدّ خيانة في منطق بوتين، بل استمرارية لمدرسةٍ روسية قديمة ترى أن الصداقة في السياسة تُقاس بالجدوى لا بالوفاء. من كابول إلى طرابلس، ومن بلغراد إلى دمشق، لطالما تخلّت موسكو عن حلفائها حين انتهى دورهم، وتركتهم يواجهون مصيرهم باسم “التوازن الدولي”.
قد تُسجَّل هذه اللحظة، حين يُسدل الستار على عهد الأسد، كأحد فصول التاريخ الختامية للربيع العربي المؤجل. لكنها ستكون نهاية مختلفة عن كل النهايات السابقة: لا بثورةٍ ولا بانقلابٍ ولا بحصارٍ خارجي، بل ببرود الحسابات الروسية التي لا تعرف العاطفة. فالنظام الذي عاش أطول مما ينبغي، سيسقط أخيرًا لا لأن الشعب أسقطه، بل لأن الراعي تخلّى عنه. وفي هذا المشهد، يتجلّى جوهر السياسة الروسية في أبسط معانيها: الولاء مؤقت، والمصلحة دائمة، والذاكرة لا مكان لها حين يتغيّر ميزان القوة.






