تقدم المملكة العربية السعودية، عبر مؤسساتها الرسمية وفي طليعتها «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» (KSrelief)، نموذجاً لحضور إغاثي واسع النطاق يضع مكافحة الجوع والأمن الغذائي في مقدمة أولوياتها الخارجية. خلال السنوات الأخيرة وتصاعد الأزمات الإنسانية في مناطق متعددة من العالم، كرّست الرياض موارد مالية وفنية ضخمة لدعم الأمن الغذائي.
وأطلقت مبادرات موسمية ومشروعات تنموية طويلة الأمد تستهدف تأمين سلال غذائية عاجلة وبناء قدرات منتجي الغذاء المحليين وتأهيل سلاسل الإمداد الزراعي والسمكي. وتشير بيانات رسمية إلى أن المركز نفّذ آلاف المشاريع في أكثر من مئة دولة بتكلفة إجمالية تتجاوز المليارات، كما حافظ على برامج توزيع واسعة النطاق طيلة مواسم الأزمات.
استيراتيجية الإغاثة ومؤشرات الجوع
لا يمكن قراءة التدخل السعودي بوصفه مجرد «صرف للمساعدات»؛ فهناك استراتيجية واضحة تتجلّى في الجمع بين الإغاثة الطارئة (سلات غذائية، توزيع طارئ خلال أشهر الحصار أو الكوارث) والبرامج الإنمائية (دعم صمود صغار المزارعين، توفير بذور ومعدات، إنشاء شبكات ريّ، ودعم الصيد وتربية النحل والمواشي).
مثال ذلك مشروع «إطعام» الموسمي الذي وزّع مئات الآلاف من السلال الغذائية في رمضان، ومبادرة «بذرة» التي تهدف لبناء قدرات صغار المنتجين الريفيين وتمكينهم من العودة إلى الأسواق، فضلاً عن مشاريع تستهدف اليمن وباكستان ودول أفريقية ببرامج متكاملة تشمل المدخلات والإرشاد والتأهيل. هذه المقاربة تُظهر إدراكاً بأن الحلول الدائمة للأمن الغذائي تتطلّب أكثر من طعام مُقدّم مرة واحدة؛ لقدْ تتطلّب بنى إنتاجية مستدامة ومهارات ومرافق تُعيد للمنتج المحلي دوره في الاقتصاد الغذائي.
مع ذلك، تقف أمام هذه الجهود حواجز موضوعية وسياسية تجعل أثرها محدوداً في بعض السياقات، خصوصاً تلك التي تعصف بها النزاعات أو تتقاسم فيها سلطات متناحرة زمام الإدارة. اليمن مثال صارخ: رغم وجود مشاريع سعودية واسعة النطاق، فإن مؤشرات الجوع وعدم الوصول إلى الغذاء ما تزال مرتفعة، وذلك بفعل تعطّل الأسواق، انهيار الخدمات الأساسية، تحدّيات وصول المساعدات إلى المناطق المحرومة، وتداخل الشبكات المحلية مع منطق الجباية أو الابتزاز في بعض المناطق الخاضعة لجهات مسيطرة.
الجمع بين الإغاثة والتنمية
كما تُشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن غالبية الأسر اليمنية لا تزال تواجه صعوبة الحصول على الغذاء الكافي، وأن دور المانحين لا يغني عن الحل السياسي الذي يعيد تشغيل الاقتصاد والبنى التحتية الزراعية ويضمن حرية الحركة والتجارة. بهذا المعنى، تظل المساعدات الإنسانية—ولو كانت بالمليارات—عنصراً متكاملاً لكنه غير كافٍ ما لم تصاحبه خطوات سياسية وإدارية تعالج جذور المشكلة.
من زاوية تقييم التنفيذ، ثمة نقاط قوة واضحة تُبرزها المساهمات السعودية: إمكانيات لوجستية ومالية ضخمة تسمح بتنفيذ عمليات واسعة ومتنوعة، وشراكات مع منظمات أممية ومحلية لتحسين الفاعلية، وتركيز على الجمع بين الإغاثة والتنمية. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على مشاريع مثل توفير شبكات الريّ بالتنقيط أو دعم صغار الصيادين وورش تدريب تربية النحل يوفّر فوائد مضاعفة على المدى المتوسط من حيث زيادة الدخل المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الطارئ.
ومع ذلك، تظهر تحديات في المواءمة بين التدخلات والتوازن بين الأمد القصير والطويل: فتركيز القائمين على التوزيع الطارئ قد يطغى أحياناً على استثمارات البنية التحتية الزراعية وخلق أسواق محلية مستدامة، وهو ما يتطلب ضبطاً سياسياً من الجهات المانحة للتأكد من أن التدخلات لا تقوّي انماطاً سلبية مثل اقتصاد الإغاثة المستمر على حساب بناء القدرات المحلية.
تداخل القيود الأمنية مع السياسات المحلية
هناك أيضاً بعدان لازمُا الانتباه لهما: الأول يتعلق بالحوكمة والشفافية، والثاني بالأمن الإنساني في مناطق النزاع. على مستوى الحوكمة، فإن فعالية الدعم تعتمد إلى حدّ بعيد على نظم محاسبية ورقابية تضمن وصول المساعدات إلى المستفيدين الحقيقيين، وتمنع الانحراف أو الاستغلال. تُشير تجارب عديدة إلى أن شراكات المانحين مع المنظمات الدولية والمحلية، ووضع آليات متابعة مستقلة، يمكن أن يقللا من مخاطر التسرب. أما في مناطق النزاع، فالمشكلة أعقد، إذ تتداخل القيود الأمنية مع السياسات المحلية، وتتعرض اللوجستيات إلى مخاطر سياسية تجعل تنفيذ المشاريع الإنمائية أمراً بالغ الصعوبة ما لم توجد تفاهمات وضعف التصعيد.
من منظور أوسع يرتبط بالاستدامة، لا بد من ربط جهود الدعم بسياسات مناخية وغذائية طويلة المدى. اليمن ودول الساحل وشمال أفريقيا تواجه ضغوطاً من التغير المناخي: ندرة المياه، تكرار الفيضانات والجفاف، وتآكل الأراضي الزراعية. لذا، فإن أي برنامج يهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي يجب أن يعالج موارد المياه، ويستثمر في تصاميم مرنة للمحاصيل، ويشجع تقنيات الزراعة المستدامة. هنا تكمن قيمة مشاريع السعودية التي تركز على شبكات الريّ بالتنقيط واستصلاح الأراضي، شرط توسيع نطاقها وربطها ببرامج إرشادية طويلة الأمد وخدمات ائتمان صغيرة للمزارعين.
تقاسم المخاطر اللوجستية
دور الحكومة السعودية كمُموّل ومحفّز يتطلب كذلك تنسيقاً أفضل مع الوكالات الأممية (مثل WFP وFAO وUNICEF) والمنظمات الدولية الأخرى لتفادي ازدواجية الجهود وتحقيق تكامل في التغطية الجغرافية والقطاعية. التعاون متعدد الأطراف يوفر مزايا: مواءمة السياسات، توحيد بيانات الاحتياجات، وتقاسم المخاطر اللوجستية، كما أنه يعزّز شرعية البرامج ويخفض من مخاطر اتهامات الانحياز السياسي عند عملها في سياقات النزاع. التقارير الأخيرة عن يوم الأغذية العالمي والفعاليات ذات الصلة تُظهر أهمية تضافر الجهود الدولية لضمان استدامة نظم الغذاء، وهو إطار يمكن أن تستفيد منه المبادرات السعودية في جعل مشاريعها أكثر اندماجاً مع خطط الأمم المتحدة والفاعلين المحليين.
في ضوء هذه الموازين، يمكن تلخيص نقاط الرافعة التي يجب تعزيزها لضمان أثر أكثر استدامة لجهود السعودية في مواجهة المجاعة: أولاً، توسيع الاستثمارات في البنية الزراعية الريفية مع اعطاء أولوية لإدارة المياه والتقنيات المناخية؛ ثانياً، ربط برامج التوزيع الطارئ بخطط إعادة التأهيل الاقتصادي المحلية لتفادي تبعية مستمرة على المساعدات؛ ثالثاً، تعزيز الشفافية وآليات التدقيق والتقييم مع الشركاء الدوليين لضمان وصول الموارد للمستفيدين؛ رابعاً، العمل السياسي والدبلوماسي للحفاظ على ممرات إنسانية آمنة في مناطق النزاع تتيح الوصول المستمر للمساعدات؛ وأخيراً، التركيز على بناء القدرات المحلية—من خلال التدريب والتمويل الصغير—لتمكين صغار المنتجين من العودة إلى الأسواق بشكل مستدام.
حلول سياسية جذرية
لا يمكن فصل العمل الإغاثي السعودي عن سياق سياسات المملكة الإقليمية ومساعيها للضغط على المجتمع الدولي لتكريس أجندة أمن غذائي عالمية. إن الجهود الكبيرة التي تبذلها السعودية—المادية والتنموية—تُعتبر رافداً مهماً في المعترك الإنساني الدولي، لكنها لن تكون بديلاً عن الحلول السياسية الجذرية التي تعيد للدول المنهكة القدرة على إدارة مواردها وتأمين شعوبها.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل سننجح في تحويل مبادرات الإغاثة إلى عملية بناء دولة ومجتمع قادرة على إنتاج غذائها وحماية صحّتها؟ الإجابة تعتمد على قدرة الفاعلين الدوليين والإقليميين على جعل الأمن الغذائي مسؤولة مشتركة بين المساعد والتنمية والسياسة، لا مهمة إنسانية طارئة تفنى مع زوال خبر العاجل.







