في خطوة مفاجئة مثيرة للجدل، طرح كيريل دميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي (RDIF) والمقرب من فلاديمير بوتين، فكرة نفق تحت الماء يربط روسيا بألاسكا عبر مضيق بيرينغ، وأطلق عليه اسماً جذاباً: «نفق بوتين-ترامب» (Putin-Trump Tunnel).
يقترح المشروع بناء نفق بطول يقارب 112 كيلومتراً وربما حتى 70 ميلاً في أعماق المياه الليّنة من المضيق، يجمع بين روسيا الأميركية لأول مرة مادياً وبنيانياً.
لكن خلف هذه الفكرة الطموحة تكمن أسئلة جدية: ما مدى جديّة المشروع؟ ما هي الأهداف الحقيقية؟ وما هي العقبات الاستثنائية التي تواجهه؟ هذا التقرير يحاول الغوص في عمق هذه المبادرة من عدة زوايا.
خلفية المشروع وأسبابه
تبدو فكرة إنشاء نفق يربط سيبيريا بألاسكا من خلال مضيق بيرينغ وكأنها خيال علمي أكثر منها مشروعًا هندسيًا واقعيًا، لكنها في الحقيقة ليست وليدة اللحظة. فمنذ بدايات القرن العشرين، طُرحت مقترحات متكررة لإقامة جسر أو نفق أو حتى خط سكة حديد يربط القارتين، غير أن كل تلك المشاريع انتهت إلى الأرشيف بسبب التعقيدات الجغرافية والسياسية والتكلفة الهائلة. إلا أن ما يجعل المقترح الروسي الأخير مختلفًا ليس جوهر الفكرة بحد ذاتها، بل السياق الذي أُعيد طرحها فيه، والتوقيت الذي اختاره كيريل دميترييف ليعيد إحياء “حلم القطب الشمالي”.
في العقود الأخيرة، تغيّر ميزان القوة في المناطق القطبية. إذ لم تعد تلك المساحات البيضاء المتجمدة مجرّد أطراف نائية على الخريطة، بل تحوّلت إلى ساحة تنافس محموم بين القوى الكبرى، لما تحتويه من موارد طبيعية هائلة من الغاز والنفط والمعادن النادرة. وهنا تبرز منطقة تشوكوتكا الروسية كنقطة محورية، إذ تمثل اليوم بوابة استراتيجية بين آسيا وأمريكا الشمالية، وتكتسب أهميتها من كونها أقرب نقطة روسية إلى الولايات المتحدة عبر مضيق بيرينغ. هذه الرقعة الجليدية التي كانت مهملة لقرون باتت تثير شهية المستثمرين وصناع القرار، بعد أن أصبح ذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتح ممرات بحرية جديدة ومسارات تجارية أسرع بكثير من قناة السويس أو مضيق ملقا.
من هذا المنطلق، لم يكن إعلان دميترييف عن مشروع “نفق بوتين-ترامب” مجرد مناورة إعلامية، بل تعبيرًا عن رغبة روسية في إعادة التموضع ضمن الخريطة الاقتصادية العالمية. فالنفق المقترح ليس مجرد بنية تحتية، بل رسالة رمزية تسعى موسكو من خلالها إلى ترويج فكرة “الوحدة بين القارتين” — بين أوراسيا والأمريكتين — في وقت تتزايد فيه الانقسامات السياسية والعقوبات الاقتصادية. أراد دميترييف أن يقول للعالم إن روسيا لا تزال قادرة على التفكير في مشاريع كبرى تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، وأنها تملك الخيال والجرأة لإحياء ما عجزت عنه الإمبراطوريات السابقة.
لكن خلف هذه الرسالة الرمزية تكمن أيضًا أهداف اقتصادية واضحة. فربط آسيا بأمريكا الشمالية عبر ممر بري مباشر يعني فتح طريق تجاري جديد يمكن أن يُعيد رسم خريطة النقل العالمية. تخيّل قطار بضائع ينطلق من بكين أو موسكو ويصل إلى شيكاغو دون المرور بالموانئ أو انتظار السفن في الممرات البحرية الضيقة، هذا وحده كفيل بتقليص كلفة النقل ووقته بنسبة هائلة. لذلك، يروّج دميترييف وفريقه لفكرة أن هذا النفق قد يكون “قناة السويس الجديدة”، ولكن في الشمال المتجمّد.
ومن زاوية أخرى، ترى موسكو في المشروع وسيلة لتسريع استغلال ثروات القطب الشمالي، فهذه المنطقة تحتوي على أحد أكبر الاحتياطات غير المستغلة من النفط والغاز والمعادن في العالم. ومع تزايد الاهتمام الدولي بالطاقة البديلة والموارد النادرة، يمكن لروسيا أن تستثمر البنية التحتية الجديدة لتسهيل تصدير هذه الموارد إلى السوق الأمريكية مباشرة. وقد أشار تقرير نشرته فايننشال تايمز إلى أن النفق، في حال تحققه، لن يكون مجرد معبر تجاري بل منصة لتبادل استثماري أوسع، يمكن أن يربط شبكات الطاقة الروسية بالأسواق الأمريكية عبر ممر بري جديد بالكامل.
إن ما يدفع دميترييف إلى طرح هذا المشروع في هذا التوقيت بالذات هو شعوره بأن التنافس الدولي على القطب الشمالي وصل إلى مرحلة مفصلية. فبينما تركز واشنطن على تعزيز وجودها العسكري في ألاسكا، تعمل موسكو على استقطاب الاستثمارات إلى الشرق الأقصى الروسي، وكأن الطرفين يسيران في اتجاهين متوازيين دون أن يلتقيا. مشروع كهذا – حتى لو بدا خياليًا – يقدّم سردية مغايرة: أن التنافس يمكن أن يتحول إلى تعاون، وأن الجليد الذي يفصل القارتين يمكن أن يصبح جسرًا يوحّدهما.
ومع أن معظم المراقبين يشككون في إمكان تحقّق الفكرة على أرض الواقع، إلا أن رمزيتها تبقى قوية. إنها محاولة روسية لإعادة تعريف مفهوم “التقارب” بين القوى الكبرى، ليس عبر المعاهدات أو المفاوضات، بل عبر الخرسانة والحديد. وفي زمن تصاعد الحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية، يبدو أن موسكو تحاول أن تقول من خلال هذا المشروع إنها لا تزال قادرة على التفكير في المستقبل — ولو كان تحت البحر.
العقبات والتحديات
إذا كان مشروع “نفق بوتين-ترامب” يثير الخيال من حيث طموحه، فإنه في المقابل يواجه جبلًا من العقبات الواقعية التي تجعل تحقيقه أقرب إلى معركة مع الطبيعة والسياسة والاقتصاد في آن واحد. فكل عنصر من عناصر التنفيذ يحمل في طياته تحديات هائلة، تبدأ من التربة المتجمدة ولا تنتهي عند حدود التمويل أو الإرادة السياسية.
على المستوى الهندسي والبنيوي، يقف مضيق بيرينغ كأحد أقسى البيئات الطبيعية على كوكب الأرض. فالموقع الذي يفصل بين رأس أمير ويلز في ألاسكا وشبه جزيرة تشوكوتكا الروسية تغمره المياه الباردة طوال العام، وتغطيه طبقات جليدية سميكة في معظم الفصول، ما يجعل الحفر في هذه المنطقة أشبه بمحاولة شق طريق في صفيحة من الصلب المتجمد. فحتى لو تمكنت أحدث تقنيات “ذا بورينغ كومباني” من اختراق الصخور الجليدية، فإن تثبيت بنية تحتية مستقرة في قاع بحر دائم الحركة سيظل تحديًا هندسيًا بالغ التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن تقلب المناخ القطبي، وما يرافقه من ذوبان وتجمّد موسمي، يجعل الصيانة المستقبلية للنفق كابوسًا لوجستيًا قد يستنزف ميزانيات دول بأكملها.
لكن الحفر ليس سوى بداية المشكلة. فالنفق، حتى لو شُيّد بنجاح، يحتاج إلى أن يتصل بشبكات نقل برية من الجانبين، وهذه الشبكات شبه غائبة حاليًا. في روسيا، يمتد أقرب خط سكة حديد رئيسي على بعد آلاف الكيلومترات من تشوكوتكا، ويتطلب إنشاء ممر جديد يربط الشرق الأقصى بالشبكة الوطنية استثمارات ضخمة في البنية التحتية. أما في ألاسكا، فإن الطرق التي تصل إلى رأس أمير ويلز محدودة، وتخترق تضاريس وعرة وبيئة شبه خالية من السكان. بمعنى آخر، بناء النفق من دون تجهيز شبكة دعم برية واسعة سيكون كمن يمد جسراً في فراغ.
أما من الناحية المالية، فإن تقدير التكلفة بأقل من ثمانية مليارات دولار يبدو أقرب إلى الخيال. فالتقديرات السابقة لمشاريع مشابهة تجاوزت خمسين أو حتى مئة مليار دولار، وذلك في ظروف مناخية أقل قسوة. صحيح أن دميترييف يراهن على تقنيات الحفر السريعة والرخيصة التي طوّرها ماسك، لكن الفارق بين نفق حضري في لاس فيغاس ونفق قاري تحت المحيط المتجمد الشمالي يشبه الفارق بين نزهة في الحديقة ورحلة إلى القمر.
أما على الصعيد السياسي والجيو-اقتصادي، فالمعوقات أكبر بكثير من تلك المتعلقة بالهندسة أو المال. فالعلاقات الروسية–الأمريكية تمر بأحد أكثر فصولها توترًا منذ نهاية الحرب الباردة، والعقوبات المفروضة على موسكو تجعل من أي مشروع مشترك بهذا الحجم مهمة شبه مستحيلة. فكيف يمكن تمويل نفق عابر للحدود بين دولتين تكاد علاقاتهما الدبلوماسية تتجمد؟ بل وكيف يمكن لمؤسسات أمريكية كبرى أن تشارك في مشروع تموله جهة روسية خاضعة للعقوبات؟
حتى في حال تجاوز هذه العقبة السياسية، تبقى الجدوى الاقتصادية موضع شك. فحركة التجارة المباشرة بين روسيا والولايات المتحدة محدودة نسبيًا، ولا توجد تدفقات تجارية تبرر إنشاء ممر بهذا الحجم والتكلفة. قد يكون النفق رمزيًا أكثر منه اقتصاديًا، وسيتحوّل في أحسن الأحوال إلى معبر سياحي أو إنشائي ذي طابع استعراضي، لا إلى ممر تجاري مربح. كما يشير بعض المحللين إلى أن فكرة ربط القارتين بريًا في وقت تسعى فيه الدول إلى تقليل الاعتماد المتبادل قد تبدو مناقضة للواقع الجيو-اقتصادي الحالي.
ثم تأتي الاعتبارات البيئية والاجتماعية لتضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالمشروع يمر عبر مناطق تُعدّ من أكثر النظم البيئية هشاشة في العالم. مجرد عمليات الحفر والنقل ستؤثر على الحياة البحرية في مضيق بيرينغ، وعلى الأنواع المهاجرة التي تعتمد على هذا الممر بين المحيطين الهادئ والمتجمد الشمالي. كما أن أي نشاط هندسي في تلك المنطقة سيصطدم بحقوق الشعوب الأصلية في كل من تشوكوتكا وألاسكا، الذين يعيشون منذ قرون على إيقاع الطبيعة، ويعتمدون على الصيد كمصدر رزق أساسي. إهمال هذه الاعتبارات قد يفتح الباب أمام احتجاجات دولية، ويجعل المشروع هدفًا سهلاً للمنظمات البيئية.
ويبقى التحدي الأكبر هو التمويل والربحية. فحتى لو تم بناء النفق، فإن العائد المالي من رسوم العبور أو النقل لن يغطي التكلفة بسهولة، خصوصًا في ظل قلة الكثافة السكانية في تلك المناطق وبعدها عن المراكز التجارية الكبرى. إن تبرير استثمار بهذا الحجم يتطلب رؤية اقتصادية عالمية لا مجرد حماسة سياسية أو رمزية، ورؤية كهذه تبدو غائبة في الوقت الراهن.
في النهاية، يقف “نفق بوتين–ترامب” أمام معادلة صعبة: كيف يمكن لمشروع يفترض أنه يرمز إلى الوحدة بين القارتين أن يُبنى على أرض منقسمة سياسيًا، ومناخ قاسٍ، واقتصاد غير مضمون؟ إنها معركة بين الطموح الإنساني وحدود الواقع، حيث تتحوّل الهندسة إلى مرآة تعكس ما نحن عليه أكثر مما تكشف عمّا نستطيع فعله.
بين الدبلوماسية والبنية التحتية: مشروع في لحظة مفصلية
لم يأتِ طرح فكرة “نفق بوتين–ترامب” في هذا التوقيت اعتباطاً، بل في لحظة سياسية تتقاطع فيها الإشارات الدبلوماسية مع الرموز الاقتصادية الكبرى. فبعد اتصال هاتفي بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، وتداول تقارير عن لقاء محتمل بينهما في بودابست لمناقشة ملف أوكرانيا وإمكانية استئناف العلاقات التجارية، بدا وكأن موسكو تبحث عن طريقة لإعادة تأهيل خطابها السياسي تجاه الغرب عبر مبادرة غير تقليدية.
اقتراح النفق ليس مجرد خطة بنية تحتية، بل هو ما يمكن تسميته بـ«دبلوماسية الخرسانة» — استخدام المشاريع الضخمة كأداة رمزية لتغيير المزاج السياسي العالمي.
من منظور الكرملين، فإن فكرة إنشاء رابط مادي بين روسيا والولايات المتحدة عند أقصى أطراف الأرض تمثل إعلاناً ضمنياً عن رغبة في كسر الجمود. الرسالة المبطّنة تقول: إذا أمكن وصل القارتين عبر نفق تحت بحر جليدي، أفلا يمكن ترميم الجسور السياسية بينهما؟ إنها محاولة لاستعادة لغة الرموز التي أتقنتها موسكو تاريخيًا — تحويل المستحيل إلى مشهد قابل للتصديق. المشروع إذن ليس خطة هندسية بقدر ما هو مجاز دبلوماسي عن إعادة بناء الثقة بين الخصمين القديمين.
أما بالنسبة لواشنطن، أو بالأحرى لترامب شخصياً، فإن الفكرة تملك بريقًا خاصًا. إذ تجمع بين عنصرين يعشق توظيفهما في خطابه السياسي: العظمة والصفقة. فالنفق، إن تحقق، سيُسجَّل في التاريخ باعتباره المشروع الذي «ربط العالمين»، وهو ما يتناغم تمامًا مع أسلوب ترامب في تحويل السياسة إلى عرض كبير يهيمن على المشهد الإعلامي. لهذا السبب، حين وُجه إليه السؤال عن المشروع، اكتفى بالقول إنه «مثير للاهتمام» — عبارة قصيرة لكنها تترك الباب مفتوحًا أمام كل التأويلات، وتُبقي المشروع حيًا في دائرة النقاش العام دون أن يتحمل أي التزام فعلي.
في المقابل، يُدرك دميترييف أن توقيت طرح الفكرة في ظل التحضير لاجتماع بوتين–ترامب يمكن أن يمنحها زخمًا إعلاميًا هائلًا. فحتى لو لم يُنفّذ المشروع يومًا، فإن الحديث عنه وحده يُعيد رسم صورة روسيا كقوة مبادرة قادرة على التفكير خارج النمط التقليدي، ويمنحها مساحة دعائية على المسرح الدولي بعيدًا عن قضايا الحرب والعقوبات. إنّه شكل من أشكال “الهروب إلى المستقبل”، حيث يتحول الخيال الهندسي إلى وسيلة لتلميع صورة سياسية باهتة.
ويبقى العنصر الثالث في هذه المعادلة هو إيلون ماسك، الاسم الذي يضفي على كل ما يلمسه هالة من الحداثة والتفوق التكنولوجي. دعوة دميترييف لماسك لم تكن مجرد مجاملة، بل مناورة محسوبة: فمجرد ربط اسم الملياردير الأمريكي بالمشروع كفيل بإثارة فضول الإعلام الغربي وإغراء المستثمرين المحتملين. وحتى لو لم يعلّق ماسك رسميًا، فإن صمته في حد ذاته يتحول إلى مساحة رمزية يستفيد منها الجميع — موسكو التي تبدو منفتحة على التعاون، وترامب الذي يظل في الصورة، وماسك الذي يُستدعى مجددًا في دور “مهندس المستقبل العالمي”.
في الجوهر، يحمل المشروع دلالات تتجاوز النفق نفسه. فهو يعكس بحث موسكو وواشنطن، كلٌّ بطريقته، عن رمزية جديدة في زمن تآكلت فيه مفردات القوة التقليدية. لم تعد الصواريخ والعقوبات كافية لإقناع الشعوب، لذا تُستدعى مشاريع أسطورية من نوع “النفق الأعظم في العالم” كأداة لاستعادة الحلم المشترك. إنها محاولة لجعل الخرسانة بديلاً مؤقتًا عن السياسة، ولتحويل الجغرافيا إلى لغة سلام مؤقتة في عالم تزداد فيه الانقسامات عمقًا.
هكذا يصبح “نفق بوتين–ترامب” أكثر من مجرد فكرة هندسية؛ إنه مرآة تعكس لحظة ارتباك عالمي، يبحث فيها الجميع عن ممرّ آمن بين الواقع والمستحيل، بين الطموح السياسي والخيال التقني، وبين الشرق والغرب اللذين يقتربان دون أن يلتقيا فعلاً.
السيناريوهات المحتملة
سيناريو التفاؤل
في أفضل الحالات، إذا تمكنت الأطراف المعنية من تجاوز العقبات — المالية والهندسية والسياسية — فقد يُشرع في التنفيذ خلال العقد المقبل، ليصبح نفق بوتين‑ترامب أول رابط بري فعلي يجمع آسيا بأمريكا الشمالية. في هذا السيناريو، تتحوّل فكرة رمزية إلى حقيقة ملموسة، ويبدأ الشحن البري والسككي من تشوكوتكا إلى ألاسكا، ثم يتمّ التمديد نحو الغرب أو الشرق، ما يُحدث تغييرًا جذريًا في خرائط النقل العالمية. ومعه، يُفتح الطريق أمام تدفقات تجارية بين الصين والولايات المتحدة تمرّ عبر هذا الممرّ المختصر بدلًا من القنوات التقليدية، ما يقلّص الزمن والكلفة ويعيد رسم خطوط التجارة العالمية.
إضافة إلى ذلك، قد تفتح البنية التحتية الضخمة هذه آفاقًا جديدة لاستغلال موارد القطب الشمالي — من الغاز والنفط إلى المعادن نادرة الاستخدام — عبر شبكة تربط الشرق بالغرب، ما يجعل المشروع ليس فقط رمزًا، بل محركًا اقتصاديًا. وفي هذا العقد الزمني، قد ترتفع روسيا ومناطق شرق سيبيريا إلى مصاف المراكز اللوجستية العالمية، وتتحول ألاسكا بدورها إلى بوابة عبور حقيقية، وليس مجرد موقع طرفي.
سيناريو الحياد
في هذا السيناريو، يبقى المشروع في نطاق كبير من الرمزية أكثر من التطبيق الكامل، ليُستخدم كأداة تفاوض ودبلوماسية — إعلان كبير يُطلق ويبدأ بتوسّعات تجريبية أو بنية تحتية محدودة في مناطق مثل تشوكوتكا أو ألاسكا. فبدل تنفيذ النفق أو السكك الكاملة، قد يُفتتح مشروع فرعي مثل مدّ طريق أو خط سكك محدود نحو المضيق، أو دراسة جدوى دولية تُعلن بحفلات إعلامية. ومن ثمّ تتوقّف عجلة التنفيذ أو تتباطأ تحت وطأة التمويل أو التوترات السياسية. هذا السيناريو يكرّس المشروع كـ «رمز التحوّل» أكثر من كونه ممرًّا فعليًا، ويُبقي احتمال التنفيذ مفتوحًا، لكن بوتيرة أقل وطأً.
بهذا، يُحقّق المشروع غرضه من الناحية الدعائية: روسيا تقول إنها تفكر بمسارات جديدة، والغرب يحتفظ بخيار المشاركة أو التأجيل، وماسك يبقى اسمًا مترابطًا بالفكرة. في المقابل، لا تتغيّر معادلات التجارة العابرة للقارات بشكل جذري بعد، لكن الباب يُفتح لمرحلة تهيئة — شبكات تحليل، تمهيد للتمويل، ودراسات بيئية.
سيناريو التشاؤم
حين نفكّر في أكثر الاحتمالات واقعية اليوم، نرى أن المشروع قد يبقى “حُلمًا هندسيًا” أكثر منه إنجازًا. في هذا السيناريو، يتم استخدام فكرة النفق في الحملات الإعلامية والدبلوماسية فقط — عناوين صحافية كبيرة، صور ترويجية، اقتراحات تستند إلى أسماء كبيرة (ماسك، ترامب، بوتين…) — لكن التنفيذ الكامل يعجز عنه الواقع. التكاليف تُرتفع، التمويل يتراجع، القضايا البيئية والسياسية تنسحب من المنصة، ويُصبح المشروع واحداً من تلك المشاريع الضخمة التي حُلم بها ولم تُنجز.
في هذا السيناريو، يصبح النفق رمزية أكثر من واقع، وروسيا تنجح في حيازة صورة المبادرة العالمية، لكن دون تحويلها إلى بنية تحتية قائمة. التجارة بين القارتين تستمر عبر البحار كما حالها، والمضيق يبقى حاجزًا جغرافيًا أكثر من أن يكون حلقة وصل.
كلّ سيناريو من هذه السيناريوهات يحمل خلفه انعكاسات ليس فقط على روسيا وأمريكا، بل على التجارة الدولية، وشبكات النقل العالمي، وصراع الموارد في القطب الشمالي. السؤال هو ليس هل يمكن أن يُبنى النفق، بل أيّ من هذه السيناريوهات سيصبح واقعًا. هل سنشهد قوساً هندسيًا يعبر القارتين، أم سنبقى عند سقف التصريحات؟
ما بين الحلم والرسالة: قراءة في دلالات المشروع
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال فكرة “نفق بوتين–ترامب” في بعدها الهندسي أو الاقتصادي فقط. فهي مشروع يتجاوز الخرسانة والفولاذ ليعبر إلى عمق الرمز السياسي، إذ يعبّر عن رغبة روسيا في استعادة سردية المبادرة العالمية، بعد سنوات من العزلة والعقوبات. النفق، بهذا المعنى، ليس مجرد محاولة لربط قارتين، بل لتوصيل رسالة إلى العالم مفادها أن موسكو لا تزال قادرة على التفكير في المستقبل رغم انغلاق الحدود والجبهات.
إن ما يجعل هذا المشروع مثيرًا ليس فقط ما قد يتحقق منه، بل ما يكشفه عن طريقة تفكير القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين: لم يعد التوسع يقوم على الغزو، بل على احتلال الخيال. فمشروع كهذا، حتى لو لم يُبنَ يومًا، يؤدي وظيفته في تغيير اللغة التي تتحدث بها السياسة، ويذكّر بأن الجغرافيا ليست قدرًا ثابتًا بل مجالاً يمكن إعادة تخيّله.
في النهاية، يظل السؤال الأهم ليس هل يمكن بناء النفق؟ بل هل هناك من يريد فعلاً بناءه؟
فالعقبات الهندسية يمكن تجاوزها بالإرادة، والتمويل يمكن تأمينه بتحالفات، لكن الإرادة السياسية — تلك التي تحتاج إلى قدر من الثقة والشجاعة في عالمٍ يزداد انقسامًا — هي العنصر الغائب حتى الآن. وحتى يظهر هذا العنصر، سيبقى نفق “بوتين–ترامب” معلقًا بين الحلم والذاكرة، مشروعًا يرمز إلى ما يمكن أن يكون عليه العالم لو اختار أن يحفر طريقه نحو السلام بدل أن يبني جدران الخوف من جديد.







