منذ أن بدأت أصوات المدافع تخفت في قطاع غزة، وبدأت مرحلة جديدة تتشكل في الخفاء، مرحلة يمكن وصفها بـ”المعركة السياسية” بعد انتهاء “المعركة الميدانية”، فالحرب التي استمرت شهورًا طويلة لم تنتهِ بوقف إطلاق النار فقط، بل فتحت الباب أمام سؤال جوهري: من سيحكم غزة؟ وكيف ستبدو خريطتها السياسية والأمنية في اليوم التالي للحرب؟
اللافت أن الإجابة على هذه الأسئلة لا تُرسم في مكاتب السياسيين فقط، بل على الأرض في الجنوب والشمال، حيث بدأت جماعات جديدة، بعضها كان مجهولًا تمامًا، تتحرك لتملأ الفراغ الذي خلفه تراجع نفوذ حركة حماس، في ظل دعمٍ مباشر أو غير مباشر من قوى إقليمية ودولية، بل وحتى إسرائيلية، بحسب تقارير غربية حديثة.
ملامح أولية لمشهد جديد
في جنوب غزة، وعلى طول ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” الذي يفصل بين مواقع الجيش الإسرائيلي والمناطق المدنية، بدأت تتشكل نواة كيانٍ جديد، يطلق عليه قادته اسم “غزة الجديدة”، ويضم أربع ميليشيات مسلحة معادية لحماس، تعمل وفق تنسيق غير معلن مع إسرائيل، وتستعد، كما يزعم قادتها، لتولي إدارة القطاع بعد الحرب.
هذا التطور يعيد للأذهان سيناريوهات قديمة أعقبت انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، حين تنازعت الفصائل السيطرة، قبل أن تحسمها حماس بالقوة عام 2007، واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بوجوه جديدة، وأجندات مختلفة تمامًا، بعضها يرتبط بمصالح خارجية واضحة.
دعم إسرائيلي معلن وغير معلن
بحسب تقرير قناة “سكاي نيوز” البريطانية، فإن الجماعات الأربع — التي يقودها كل من حسام الأسطل وياسر أبو شباب ورامي حلس وأشرف المنسي — تحظى بدعم مباشر من إسرائيل، سواء من خلال تسهيل عبور الإمدادات أو غض الطرف عن تحركاتها العسكرية داخل القطاع.
ويؤكد التقرير أن هذه الميليشيات تعمل من مناطق تقع فعليًا تحت السيطرة الإسرائيلية، وتستخدم طرقًا عسكرية ووسائل اتصال خاصة، وهو ما يعني أن ولادتها لم تكن عفوية، بل جزء من خطة أوسع لتفكيك سلطة حماس وإعادة صياغة الخريطة الداخلية للقطاع.
مشروع “غزة الجديدة”
يقول حسام الأسطل، زعيم إحدى هذه الجماعات، إن لديهم “مشروعًا رسميًا” يهدف إلى تأسيس إدارة جديدة في غزة، بعيدة عن سيطرة حماس، وتعمل بتنسيق مع السلطة الفلسطينية وبعض الجهات الدولية.
ويضيف في تصريحات نقلتها “سكاي نيوز”: “قريبًا سنحقق السيطرة الكاملة على القطاع وسنجتمع تحت مظلة واحدة. نريد غزة بلا حروب، بلا حماس، وبلا إرهاب”.
لكن خلف هذه الشعارات، يرى مراقبون أن المشروع الحقيقي هو خلق كيان فلسطيني منزوع السلاح ومفصول سياسيًا عن الضفة الغربية، بحيث تصبح غزة مجرد منطقة تجريبية لإعادة الإعمار ضمن شروط إسرائيلية – أميركية صارمة.
الحديث عن دور السلطة الفلسطينية في “غزة الجديدة” ليس مجرد تكهنات. فوفقًا لمصادر متعددة، هناك موظفون حاليون في بعض الميليشيات لا يزالون يتلقون رواتبهم من السلطة، كما يتم تمرير جزء من التنسيق مع إسرائيل عبر مكاتبها الأمنية في الضفة الغربية، وخاصة من خلال “مكتب التنسيق والارتباط” التابع لوزارة الدفاع الإسرائيلية.
هذا يعني أن السلطة الفلسطينية، رغم نفيها العلني، قد تكون جزءًا من معادلة ما بعد الحرب، ولكن من “الباب الخلفي”، تحسبًا لأي رد فعل شعبي غاضب من التعاون مع إسرائيل.
إعادة توزيع النفوذ في القطاع
في المقابل، يرى محللون أن إسرائيل تسعى لتقسيم القطاع إلى مناطق نفوذ، بحيث تبقى في الشمال مجموعات صغيرة موالية لها، وفي الجنوب تُنشأ “إدارة مدنية” تحت مسمى “غزة الجديدة”، تكون مهمتها الإغاثة وإعادة الإعمار، ولكن بميزان أمني صارم يضمن استمرار السيطرة غير المباشرة.
وبذلك، تتحقق لإسرائيل معادلة مزدوجة: التخلص من عبء السيطرة المباشرة على غزة، مع الاحتفاظ بالقدرة على توجيهها من خلف الستار، ومنع أي تهديد مستقبلي من حماس أو فصائل المقاومة الأخرى.
أدوار خفية لقوى خارجية
لم يعد الدور الخارجي في غزة مقتصرًا على الولايات المتحدة أو مصر أو قطر. فالتقارير الأخيرة تشير إلى دخول أطراف جديدة على الخط، بينها بعض الدول العربية التي ترى في “غزة الجديدة” فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي في مرحلة إعادة الإعمار.
كما أشار تقرير “سكاي نيوز” إلى أن بعض التمويلات تأتي عبر قنوات غير حكومية، بما في ذلك رجال أعمال فلسطينيين في الخارج، يدعمون المشروع باعتباره “فرصة لولادة نظام مدني جديد في غزة”.
بين الخط الأصفر والواقع الرمادي
المناطق التي تعمل فيها هذه الميليشيات توصف حاليًا بأنها “مناطق رمادية” — لا تابعة رسميًا لإسرائيل، ولا خاضعة لسلطة حماس، ما يجعلها مسرحًا مثاليًا لتجريب النموذج الجديد، لكن المعضلة أن هذا الواقع غير المستقر قد يتحول سريعًا إلى صراع داخلي بين الجماعات نفسها، خصوصًا أن بعضها يسعى للسيطرة الكاملة على الموارد والإمدادات التي تمر عبر معبر كرم أبو سالم، وهو الشريان الاقتصادي الوحيد المتاح حاليًا للقطاع.
يشير خبراء في شؤون الجماعات المسلحة إلى أن إسرائيل قد تكون بصدد إنشاء ما يسمى بـ”الفوضى المنظمة”، أي تفكيك حماس دون السماح بقيام بديل قوي، بحيث تبقى غزة رهينة شبكة من الكيانات المحلية التي تتنافس على البقاء تحت المراقبة الإسرائيلية.
هذه الاستراتيجية، التي سبق أن استخدمتها قوى استعمارية في مناطق أخرى، تسمح بإدارة الصراع بدلًا من حله، وتبقي البيئة السياسية في حالة هشّة دائمة، تمنع قيام كيان موحد أو مشروع وطني فلسطيني جامع.
إعادة الإعمار.. مكافأة مشروطة
اللافت أن الحديث عن إعادة إعمار غزة أصبح مرتبطًا مباشرة بهذا المشروع. فقد قال جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، إن “أموال الإعمار لن تذهب إلى المناطق التي لا تزال تسيطر عليها حماس”، في إشارة صريحة إلى أن الدعم الدولي سيُوجَّه إلى مناطق “غزة الجديدة” فقط، وهذا يعني أن مستقبل الإعمار لن يكون تقنيًا أو إنسانيًا فقط، بل سياسيًا بالدرجة الأولى، وأن من يسيطر على الأرض سيحصل على التمويل، ومن يُستبعد من المعادلة سيبقى في الظل.
في المقابل، تدرك حماس أن الحرب لم تُفقدها فقط قدرتها العسكرية، بل تهدد وجودها السياسي ذاته. فمع بروز كيانات جديدة بدعم دولي وإقليمي، تجد الحركة نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق: كيف تحافظ على بقائها دون أن تُتهم بعرقلة إعادة الإعمار أو مواجهة الإرادة الدولية؟
ورغم خطاباتها العلنية التي تؤكد استمرار “المقاومة”، إلا أن حماس تدرك أن البيئة السياسية تتغير بسرعة، وأن كثيرًا من الدول العربية لن تمانع في استبدالها ببديل “مدني” أكثر قابلية للتعامل.
السلطة الفلسطينية بين الحذر والطموح
أما السلطة الفلسطينية، فترى في مشروع “غزة الجديدة” فرصة للعودة إلى القطاع، ولكن بشروط مختلفة. فهي تريد دورًا سياسيًا دون الانخراط المباشر في الفوضى الأمنية، وتنتظر أن تنضج الظروف الإقليمية لتعود عبر “بوابة الشرعية الدولية” وليس عبر تفاهمات خلفية، غير أن هذا الموقف قد يجعلها في مرمى الانتقادات من الطرفين: حماس التي تتهمها بالتعاون مع إسرائيل، والميليشيات الجديدة التي تراها جزءًا من الماضي.
في الخلفية، تدير الولايات المتحدة وإسرائيل اللعبة بحذر شديد. فكلتاهما لا تريدان العودة إلى إدارة غزة مباشرة، لكنهما أيضًا لا تثقان في أي طرف فلسطيني مستقل، وبينما تراهن واشنطن على دعم نموذج “الاستقرار الاقتصادي أولًا”، تراهن إسرائيل على نموذج “التجزئة الأمنية”، بحيث يبقى القطاع تحت رقابة مشددة دون سلطة مركزية.
الميدان يسبق السياسة
وحتى الآن، يبدو أن الترتيبات الميدانية تسبق التفاهمات السياسية، فالميليشيات تفرض واقعًا جديدًا على الأرض، فيما تتردد الأطراف الدولية في الإعلان عن أي خطة رسمية لإدارة غزة، وهذا الفراغ قد يستمر لشهور طويلة، مما يعزز المخاوف من أن تتحول غزة إلى “نقطة اختبار” لمشاريع سياسية لا يعرف أحد كيف ستنتهي.
النتيجة أن غزة اليوم تُدار فعليًا بأربع قوى: إسرائيل التي تمسك بالمفاتيح الحدودية، والسلطة الفلسطينية التي تسعى للعودة، والميليشيات الجديدة التي تحاول التمدد، وحماس التي تحاول التمسك بما تبقّى لها من نفوذ، وهذه المعادلة، في حال استمرارها، قد تعني أن القطاع يدخل مرحلة جديدة من “اللا دولة”، تُرسم فيها السياسات في تل أبيب وواشنطن أكثر مما تُرسم في غزة أو رام الله.
التحول الإسرائيلي من الحرب إلى الإدارة بالوكالة
في هذا السياق، يرى د. سامر الحلو، خبير في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، أن إسرائيل انتقلت من مرحلة المواجهة العسكرية إلى ما يسميه بـ”الإدارة بالوكالة”، أي خلق كيانات فلسطينية محلية تتولى السيطرة الأمنية والخدمية في غزة، دون أن تتحمل إسرائيل مسؤولية مباشرة أمام المجتمع الدولي، ويشير إلى أن هذا النمط من التحكم غير المباشر يمنح تل أبيب نفوذًا مستدامًا دون تكلفة بشرية أو سياسية عالية، خاصة بعد تآكل شرعية حماس محليًا وإقليميًا.
ويضيف “الحلو” أن مشروع “غزة الجديدة” ليس مجرد مبادرة أمنية، بل تجربة سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الفلسطينية في القطاع. فبعد سنوات من الحروب والانغلاق، تسعى إسرائيل، بحسب تقديره، إلى تحويل غزة إلى نموذج “مدني مطيع”، يربط المساعدات الاقتصادية بالقبول بالواقع الأمني الجديد، تمهيدًا لتسويق هذا النموذج في الضفة الغربية لاحقًا.
ويرى أن أخطر ما في المشروع هو تفكيك ما تبقى من المركزية الفلسطينية. إذ أن وجود أربع جماعات متصارعة على النفوذ داخل القطاع يعني أن القرار الفلسطيني سيصبح مشتتًا، وأن أي حديث عن مصالحة أو مشروع وطني جامع سيفقد معناه، ويؤكد أن إسرائيل تدرك ذلك جيدًا، وتعتبر هذا التفكك أحد أهدافها الإستراتيجية طويلة الأمد.
ويختتم الحلو تحليله بالتأكيد على أن تل أبيب لا تسعى إلى استقرار حقيقي، بل إلى فوضى يمكن السيطرة عليها. فوجود جماعات صغيرة متنافسة أفضل بالنسبة لها من وجود سلطة قوية وموحدة، وبهذا الشكل، ستظل غزة منطقة رمادية بين الاحتلال والحرية، وبين الإدارة الذاتية والوصاية الأجنبية، وهو الوضع الذي يمنح إسرائيل أفضلية دائمة في أي مفاوضات مستقبلية.
تدويل الملف الغزي عبر بوابة “الإعمار المشروط”
وتؤكد د. ليلى الشربيني، باحثة في العلاقات الإقليمية والدراسات الإستراتيجية، أن القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بدأت تنظر إلى غزة باعتبارها “ملفًا دوليًا” أكثر من كونها قضية فلسطينية داخلية، فخطة “الإعمار المشروط” التي تربط الدعم الاقتصادي بتشكيل إدارة محلية بديلة، تُعد في جوهرها محاولة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وليس فقط لإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وترى الشربيني أن بعض الدول العربية تنظر إلى مشروع “غزة الجديدة” كفرصة لمد نفوذها السياسي والاقتصادي داخل القطاع، عبر تمويل مشاريع الإعمار وتقديم الدعم اللوجستي. لكنها تحذر من أن هذا التنافس قد يتحول إلى صراع صامت بين العواصم العربية، خصوصًا إذا استُخدم المال السياسي لتثبيت كيانات موالية بعينها، ما يعيد إنتاج الانقسام بصيغ جديدة.
وتشير إلى أن السلطة الفلسطينية تجد نفسها في مأزق مزدوج: فهي من جهة تدرك أن مشروع “غزة الجديدة” قد يفتح لها باب العودة إلى القطاع، لكنها من جهة أخرى تخشى أن تُستغل كواجهة سياسية لمخطط إسرائيلي – أميركي يقضي بفصل غزة عن الضفة نهائيًا. لذلك، تتبنى السلطة موقفًا ضبابيًا، يراوح بين القبول الضمني والإنكار العلني.
وتختتم “الشربيني” تحليلها بالقول إن غزة تتجه نحو مرحلة من “الإدارة المختلطة”، حيث تتقاطع الأدوار بين قوى محلية ناشئة ودول إقليمية ومؤسسات دولية، لكن هذا النموذج، وإن بدا في ظاهره مدنيًا، يخفي في جوهره وصاية طويلة الأمد على القطاع، قد تحوّل غزة إلى ساحة تجريب سياسي واقتصادي، بدلًا من أن تكون نواةً لدولة فلسطينية مستقلة.







