يُعد توقيع المملكة العربية السعودية على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية خطوة استراتيجية تعكس رؤيتها الطموحة في تعزيز موقعها كقوة فاعلة ومسؤولة في حماية الأمن السيبراني العالمي. هذا الحدث يمثل امتداداً لجهود المملكة في دعم المبادرات الدولية الرامية إلى مواجهة التحديات المتنامية في الفضاء الرقمي، الذي أصبح ساحة رئيسية للصراعات والمخاطر العابرة للحدود.
تجريم الأفعال السيبرانية
من خلال انضمامها إلى الاتفاقية الدولية الأولى من نوعها في هذا المجال تحت مظلة الأمم المتحدة، تؤكد السعودية التزامها بمبادئ التعاون الدولي لمكافحة الجرائم السيبرانية التي باتت تمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني والاقتصاد العالمي. فالفضاء السيبراني يشهد تطوراً سريعاً في أدوات الهجوم وأساليب الاختراق، مما يتطلب من الدول تنسيق الجهود وتوحيد المعايير القانونية والتقنية للحد من هذه التهديدات. وتأتي هذه الاتفاقية كإطار دولي شامل يسعى إلى تجريم الأفعال السيبرانية غير المشروعة، مثل الوصول غير المصرح به للأنظمة، والتلاعب بالبيانات أو إفسادها، إضافة إلى الجرائم الرقمية ذات البعد الإنساني، كجرائم الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت.
مشاركة المملكة الفاعلة في صياغة هذه الاتفاقية منذ مراحلها الأولى، مروراً ببلورة المخرج النهائي الذي تم اعتماده، تعكس حضورها المؤثر في صياغة السياسات الدولية الخاصة بالأمن السيبراني. كما أن رئاسة محافظ الهيئة الوطنية للأمن السيبراني المهندس ماجد المزيد لوفد المملكة المشارك في حفل التوقيع بالعاصمة الفيتنامية هانوي، بحضور شخصيات دولية رفيعة المستوى، يبرز المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها السعودية في المحافل الدولية المعنية بالتقنية والأمن السيبراني.
تطوير السياسات الداخلية
من جهة أخرى، يمثل هذا التوقيع امتداداً طبيعيًا لجهود الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، التي تضطلع بدور محوري في حماية المصالح الحيوية للدولة وبنيتها التحتية الرقمية، وتُعد المرجع الوطني المعتمد في شؤون الأمن السيبراني. فالهيئة لم تكتف بتطوير السياسات الداخلية والمعايير التنظيمية، بل عملت أيضاً على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي من خلال تمثيل المملكة في المنظمات العالمية المختصة، مما يعزز من قدرة الدولة على الاستفادة من الخبرات الدولية وتبادل المعلومات حول التهديدات السيبرانية المستجدة.
تأتي أهمية هذه الاتفاقية في وقت تتسارع فيه وتيرة التهديدات السيبرانية عالمياً، حيث أصبحت الجرائم الرقمية أكثر تعقيداً وتنوعاً، مستهدفة الأفراد والمؤسسات وحتى الحكومات. ومن ثم، فإن التزام الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بهذه الاتفاقية يسهم في بناء منظومة دولية أكثر تكاملاً لمواجهة هذه التحديات، عبر تعزيز التعاون في مجالات التحقيق الجنائي الرقمي، وتبادل الأدلة والمعلومات، وتطوير القدرات التقنية والبشرية اللازمة.
التحول الرقمي الآمن
يمكن القول إن توقيع المملكة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية يجسد رؤية المملكة 2030 التي تولي أهمية كبرى للتحول الرقمي الآمن والمستدام. كما أنه يؤكد حرص القيادة السعودية على أن تكون المملكة شريكاً رئيسياً في صياغة مستقبل الأمن السيبراني العالمي، من خلال دعم الجهود الدولية الهادفة إلى جعل الفضاء الرقمي أكثر أماناً واستقراراً لصالح المجتمعات والدول كافة.







