شهدت الأسواق العالمية اليوم الجمعة حالة من التذبذب الحذر بين ضغوط السياسات النقدية وتفاؤل أرباح الشركات الكبرى، إذ تراجعت الأسهم الأوروبية بينما حقق المؤشر الياباني “نيكاي” قفزة تاريخية، في حين واصل الذهب مساره الصاعد رغم الضغوط القادمة من قوة الدولار الأميركي.
تراجع أوروبي تحت وطأة الترقب
تراجعت الأسهم الأوروبية في ختام تعاملات الأسبوع وسط أجواء يسودها الترقب أكثر من القلق، إذ فقد مؤشر “ستوكس 600” نحو 0.1 في المئة ليواصل مساره الهابط للجلسة الرابعة على التوالي، لكنه بقي قريباً من أعلى مستوى بلغه منذ أشهر، في إشارة إلى أن السوق لا تزال تحتفظ بقدر من التفاؤل رغم الضبابية التي تلف المشهد الاقتصادي العالمي.
فهذا التراجع الطفيف لا يعكس بالضرورة ضعفاً في الثقة، بقدر ما يعبر عن حالة انتظار محسوبة يعيشها المستثمرون الأوروبيون الذين يوازنون بين مؤشرات متباينة: أرباح شركات كبرى جاءت دون التوقعات في بعض القطاعات، مقابل أداء قوي في أخرى، وبيانات تضخم بدأت تتراجع تدريجياً، لكنها لم تهبط بعد إلى مستويات مريحة تسمح بالحديث عن دورة خفض فائدة قريبة.
وفي هذا السياق، جاء قرار البنك المركزي الأوروبي بالإبقاء على أسعار الفائدة عند 2 في المئة للمرة الثالثة على التوالي ليكرّس صورة “الاستقرار الحذر” الذي يهيمن على الاقتصاد الأوروبي. القرار يعكس قناعة متزايدة داخل أروقة البنك بأن القارة العجوز نجحت — ولو جزئياً — في تفادي الركود العميق الذي كان يُخشى حدوثه قبل أشهر، مستفيدة من تراجع أسعار الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد بعد عامين من الاضطراب.
لكن هذا الاستقرار يبقى هشّاً، فالنشاط الصناعي في ألمانيا وفرنسا ما زال دون مستويات ما قبل الجائحة، والطلب المحلي يعاني من تباطؤ ملحوظ بسبب ضغوط المعيشة وارتفاع تكاليف التمويل. ومع ذلك، يبدو أن الأسواق تفسر تماسك المؤشرات الحالية على أنه هدوء ما قبل التحول — إما نحو انفراج نقدي تدريجي إذا استمر التضخم في التراجع، أو نحو عودة التشديد إذا أظهرت البيانات المقبلة بوادر انتعاش سريع في الأسعار.
بهذا المعنى، فإن تراجع “ستوكس 600” لا يُعدّ إشارة ضعف بقدر ما هو تعبير عن مرحلة إعادة تموضع، حيث يعيد المستثمرون توزيع رهاناتهم بين التفاؤل الحذر في أوروبا والفرص المتسارعة في الأسواق الأميركية والآسيوية التي تقودها طفرة التكنولوجيا.
تراجع التضخم يعزز الثقة في مسار اليورو
“نيكاي” يسجل قفزة تاريخية بفضل التكنولوجيا وضعف الين
في طوكيو، حقق مؤشر “نيكاي” قفزة قياسية بلغت 2.1 في المئة ليغلق عند 52,411.34 نقطة، وهو أعلى مستوى في تاريخه، مسجلاً أكبر مكاسب شهرية منذ يناير 1994 بنسبة 16.6 في المئة. الدافع الرئيس كان موجة التفاؤل التي أثارتها توقعات “أبل” و”أمازون” بتحقيق مبيعات قوية، إلى جانب انخفاض الين إلى أدنى مستوياته أمام الدولار واليورو منذ فبراير الماضي، ما أعطى دفعة لأسهم المصدرين اليابانيين الكبار.
مؤشر “توبكس” الأوسع نطاقاً حقق بدوره مكاسب بنسبة 0.9 في المئة، مغلقاً عند 3,331.83 نقطة، وهو مستوى قياسي جديد يؤكد الحيوية المتجددة للسوق اليابانية.
الذهب تحت ضغط الدولار رغم بريقه المتواصل
أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد تراجع الذهب 0.5 في المئة إلى 4004.37 دولار للأوقية، لكنه ظل متجهاً نحو ثالث مكاسبه الشهرية على التوالي بعد ارتفاعه نحو 4 في المئة منذ بداية أكتوبر. واستقرت العقود الأميركية الآجلة عند 4016.30 دولار، فيما حافظ الدولار على قربه من أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر، مما جعل المعدن الأصفر أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى.
ويرى محللون أن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، التي ألمحت إلى استمرار التشدد النقدي، ساهمت في كبح موجة التفاؤل بخفض قريب للفائدة. ومع ذلك، تبقى توقعات الأسواق عند نحو 67 في المئة لاحتمال خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة في اجتماع ديسمبر المقبل.
ويرى ريكاردو إيفانغليستا، المحلل في “أكتيف تريدز”، أن “الوضع الاقتصادي الكلي ما زال داعماً للذهب على المدى المتوسط، خصوصاً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية في أوكرانيا والشرق الأوسط، إضافة إلى التوتر التجاري المتجدد بين الولايات المتحدة والصين”.
أما المعادن الأخرى، فانخفضت الفضة 0.2 في المئة إلى 48.82 دولار للأوقية، وتراجع البلاتين 1.5 في المئة إلى 1586.64 دولار، فيما هبط البلاديوم 0.4 في المئة إلى 1438.72 دولار.
توازن هش
بين أوروبا التي تحاول موازنة بطء النمو مع استقرار الأسعار، وآسيا التي تعيش نشوة انتعاش التكنولوجيا وضعف عملاتها، وأميركا التي تمشي على حبلٍ مشدود بين كبح التضخم والحفاظ على الزخم الاقتصادي، تبدو الأسواق العالمية وكأنها تدخل مرحلة “هدوءٍ مضطرب” لا يمكن وصفه بالاستقرار بقدر ما هو استراحة بين عاصفتين.
فالمؤشرات الأوروبية تستند إلى أرض رخوة من البيانات الاقتصادية التي توحي بجمودٍ أكثر من تعافٍ، بينما تواصل البنوك المركزية إرسال إشارات حذرة مفادها أن الفائدة ستظل مرتفعة لفترة أطول من المتوقع. وفي المقابل، تنعم الأسواق الآسيوية بزخم تكنولوجي استثنائي تقوده شركات مثل “أبل” و”أمازون” و”تي إس إم سي”، مستفيدة من ضعف العملات المحلية الذي يعزز تنافسية الصادرات ويجذب رؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى.
أما في الولايات المتحدة، فلا يزال الجدل محتدماً حول الوجهة التالية للسياسة النقدية. فالتراجع النسبي في التضخم لم يُترجم بعد إلى يقينٍ بأن الاحتياطي الفيدرالي سيبدأ دورة خفض الفائدة قريباً، خصوصاً بعد تصريحات جيروم باول الأخيرة التي حملت مزيجاً من التحذير والطمأنة في آن واحد. وبينما ينتظر المستثمرون ديسمبر على أمل قرار أكثر وضوحاً، تظل الأسواق أسيرة إشارات متناقضة تتأرجح بين التفاؤل بعودة السيولة والتخوف من تجدد الضغوط على الدولار.
بهذا المعنى، لا يعكس المشهد الحالي استقراراً بقدر ما يعكس توازناً هشاً بين قوى متعارضة: تفاؤل التكنولوجيا في الشرق، وتردد البنوك المركزية في الغرب، وتذبذب شهية المخاطرة في كل مكان. ومع اقتراب نهاية 2025، يبدو أن ما سيحسم اتجاه الأسواق ليس فقط أسعار الفائدة أو أرباح الشركات، بل قدرة النظام المالي العالمي على التكيف مع عالمٍ متعدد السرعات — حيث لا يتحرك الاقتصاد بخطٍ واحد، بل في إيقاعات مختلفة يصعب التنبؤ بها.







