تشير التطورات الأخيرة في الملف التشادي–الليبي إلى عودة ديناميكية معقدة تهدد استقرار كل من ليبيا وتشاد، وتفتح الباب مجدداً أمام تداخل المتمردين والمرتزقة في صراعات إقليمية تتجاوز حدود البلدين. فانعقاد اجتماع لعدد من قادة الحركات المتمردة التشادية في فرنسا، بالتزامن مع تحالف نادر بين أبرز هذه الحركات، يعكس تحركات جادة لإعادة تنظيم الصفوف بعد فترة من الجمود النسبي، ويؤشر إلى احتمال تجدد النشاط العسكري عبر الحدود الجنوبية لليبيا، في وقت تعاني فيه المنطقة هشاشة أمنية وصراع نفوذ داخلي وإقليمي متشابك.
تهديد الأمن الليبي
تتجلى خطورة الموقف في استمرار تمركز قوات “مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية” داخل الأراضي الليبية، وهو التنظيم الذي رفض الانخراط في عملية السلام التي رعتها قطر عام 2022، محتفظاً بخطاب معارض حاد تجاه الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي. فوجود ما يقرب من ألفي مقاتل مدرب ومجهز في مناطق مثل فزان وتمسة وجبال كلينجة يمنح هذه المجموعات قدرة حقيقية على تهديد الأمن الليبي، خصوصاً في المناطق التي تمثل عقدة وصل بين طرق تهريب السلاح والذهب والبشر. هذا الوجود يضع ليبيا أمام معادلة حساسة: بين الالتزام بالمطالب الأممية الداعية إلى انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة، وبين الحاجة الواقعية إلى حماية حدودها الجنوبية المترامية التي تشكل ثغرة مفتوحة أمام أي اضطرابات قادمة من العمق الإفريقي.
على الجانب الآخر، تُظهر تحركات القيادة العامة في شرق ليبيا، ولا سيما لقاءات صدام حفتر المتكررة مع الرئيس ديبي، إدراكاً واضحاً لتشابك الملفين الأمنيين الليبي والتشادي. فليبيا، التي ما زالت تعاني من انقسام سياسي حاد، لا تستطيع تحمل عبء جبهة جنوبية مضطربة. لذلك، فإن التنسيق مع نجامينا يبدو محاولة مزدوجة: من جهة لتطويق نشاط الجماعات المسلحة داخل الجنوب الليبي، ومن جهة أخرى لكسب ثقة النظام التشادي الذي يواجه بدوره معارضة مسلحة ومأزقاً داخلياً حول تقاسم السلطة والثروة. هذا التقارب الأمني يعكس قلقاً متبادلاً، لكنه لا يخفي في الوقت نفسه تناقض المصالح، إذ يرى بعض الفاعلين في الجنوب أن تشاد تستخدم ملف المتمردين كأداة ضغط على السلطات الليبية للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية.
انقسام سياسي وأمني متصاعد
في السياق الأوسع، فإن إصرار الحركات التشادية على البقاء في ليبيا وعدم عودتها إلى أراضيها يعكس فشل المجتمع الدولي في تنفيذ قراراته المتعلقة بسحب المرتزقة والقوات الأجنبية. ورغم أن لجنة “5+5” العسكرية المشتركة حاولت وضع آلية لانسحاب منظم ومتزامن، فإن غياب الإرادة السياسية، وتعدد القوى الأجنبية المتدخلة في ليبيا، أبقيا هذا الملف في حالة جمود. ومن الناحية الواقعية، تحولت الأراضي الليبية، خصوصاً مناطق الجنوب، إلى ملاذ آمن للمتمردين العابرين للحدود، مستفيدين من ضعف الدولة المركزية، وغياب رقابة فعالة، واتساع الجغرافيا الصحراوية التي يصعب ضبطها.
في المقابل، يعاني الداخل التشادي من انقسام سياسي وأمني متصاعد، فالرئيس محمد إدريس ديبي يواجه صعوبة في فرض الاستقرار بعد المرحلة الانتقالية التي تلت مقتل والده إدريس ديبي عام 2021. الصراع على تقاسم السلطة والثروة بين المكونات القبلية والسياسية المختلفة أضعف قدرة نجامينا على السيطرة على حدودها الشمالية، ما جعلها أكثر عرضة لتأثير الجماعات المتمركزة في ليبيا. كما أن فشل الحكومة التشادية في الوفاء بالتزاماتها تجاه الحركات المسلحة التي وقّعت اتفاق الدوحة، عمّق مناخ انعدام الثقة، وترك الباب مفتوحاً أمام عودة النزاعات المسلحة.
ليبيا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية
تحركات الحركات المتمردة داخل ليبيا تمثل أكثر من مجرد تهديد أمني؛ إنها تعبير عن مأزق سياسي إقليمي يربط بين هشاشة الدولة في تشاد، وانقسام السلطة في ليبيا، وفشل المنظومة الدولية في معالجة جذور الأزمة. وإذا لم تتبلور مبادرة جادة لإخراج المقاتلين الأجانب من الجنوب الليبي، بالتوازي مع إعادة إحياء مسار التسوية التشادية الداخلية، فإن المنطقة مهددة بدوام حالة من “اللااستقرار الدائم”، حيث تتحول الحدود بين البلدين إلى منطقة رخوة للنشاط المسلح والتهريب، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن في الساحل الإفريقي ككل.
يظهر المشهد الحالي أن ليبيا أصبحت ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأن المتمردين التشاديين يستخدمونها كمنصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع. وفي ظل غياب رؤية دولية شاملة لحل أزمات الساحل والصحراء، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار هذا التداخل بين النزاعين الليبي والتشادي، مع ما يعنيه ذلك من استمرار تهديد الأمن الحدودي، وإطالة أمد هشاشة الدولة في البلدين، وفتح الباب أمام أطراف خارجية لتوظيف هذه الفوضى بما يخدم مصالحها الجيوسياسية.






