في مشهد يُذكّر العالم ببدايات غزو العراق عام 2003، يزداد التوتر في البحر الكاريبي مع الحشود العسكرية الأميركية المتنامية قبالة السواحل الفنزويلية، فبينما يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه لا ينوي شن حرب، تتحدث تسريبات البنتاغون عن “أهداف محتملة” داخل فنزويلا، تشمل قواعد ومخازن أسلحة يُشتبه في استخدامها بتهريب المخدرات.
هذا التناقض يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عميقة: هل واشنطن بصدد تنفيذ ضربة محدودة، أم أننا أمام بداية تدخل عسكري جديد في أميركا اللاتينية؟
مكافحة شبكات التهريب
رغم تأكيد البيت الأبيض أن العمليات الحالية “محصورة في مكافحة شبكات التهريب”، فإن حجم الأسطول المنتشر في المنطقة يشي بعكس ذلك تماماً، فوجود حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى جانب غواصة نووية وثماني مدمرات ومئات الطائرات المقاتلة لا يمكن تفسيره في سياق عمليات محدودة.
كثير من المحللين باتوا يعتقدون أن الإدارة الأميركية تستخدم ذريعة “المخدرات” كغطاء لتحرك أوسع ضد نظام الرئيس نيكولاس مادورو.
ما يزيد الصورة تعقيداً أن المشهد السياسي الداخلي في واشنطن مضطرب بدوره. فبين ضغوط انتخابية على ترمب، وتململ داخل الكونغرس من الغموض العسكري، يجد الرئيس الأميركي نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يُظهر الحزم تجاه نظام تصنفه بلاده “مارقاً”، من دون أن يتورط في حرب لا يريدها الأميركيون؟ هذا التردد يضفي على الأزمة بعداً إضافياً من الخطورة، إذ قد يقود أي خطأ في التقدير إلى مواجهة مفتوحة.
وفي المقابل، تبدو كاراكاس مستعدة لأسوأ الاحتمالات. فالحكومة الفنزويلية أطلقت حملة تعبئة عامة، وبدأت تدريبات عسكرية داخل المدن، ورفعت شعار “الوطن في خطر”، غير أن القدرات العسكرية لفنزويلا لا تُقارن بما تملكه واشنطن، ما يجعل أي مواجهة محتملة أشبه بمعركة غير متكافئة قد تترك آثاراً مدمّرة على البلاد والمنطقة بأكملها.
واشنطن بين الحزم والغموض
تصر الإدارة الأميركية على أن تحركاتها “دفاعية” وتهدف إلى “منع تهريب المخدرات والأسلحة إلى الأراضي الأميركية”، إلا أن مراقبين يرون أن التوقيت وطبيعة الانتشار العسكري يحملان رسائل سياسية أكثر من كونها أمنية، فترمب الذي يسعى لإعادة انتخابه يحتاج لإظهار قوة خارجية قد تعيد إليه صورته كرجل الحزم في السياسة الدولية.
كما أن إحياء نغمة “الخطر من الجنوب” يلقى صدى لدى القاعدة الانتخابية الجمهورية، التي طالما ربطت بين الأمن القومي والهجرة والمخدرات القادمة من أميركا اللاتينية، لكن المفارقة أن هذه الاستراتيجية تُذكّر بتبريرات إدارة جورج بوش الابن عندما تحدثت عن “أسلحة الدمار الشامل” لتبرير غزو العراق. واليوم، يثير كثيرون السؤال ذاته: هل لدى واشنطن أدلة قاطعة على تهديد فنزويلي، أم أن المشهد يُعاد بنسخة جديدة؟
ويبدو أن البنتاغون نفسه يعيش حالة من الانقسام حيال جدوى التحرك. فبينما يروّج جناح الصقور لفكرة “الضربة المحدودة” لتسريع سقوط مادورو، يحذّر آخرون من أن أي خطأ قد يشعل صراعاً واسعاً يشمل حلفاء كاراكاس، مثل كوبا ونيكاراغوا وربما قوى أكبر. وبحسب مصادر في الكونغرس، فإن لجاناً عسكرية طلبت من وزارة الدفاع تقديم تبريرات قانونية واضحة لأي عمليات جارية في الكاريبي.
لكن الغموض لا يقتصر على واشنطن وحدها. فموسكو وبكين، الحليفان الأبرز لمادورو، يراقبان المشهد بقلق، ورغم انشغال روسيا في حرب أوكرانيا، فإنها لن تتخلى بسهولة عن آخر موطئ قدم استراتيجي لها في نصف الكرة الغربي. أما الصين، فتفضل لغة الاقتصاد والدبلوماسية لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تحوّل الضغط الأميركي إلى تهديد مباشر لمصالحها في فنزويلا الغنية بالنفط.
كاراكاس تستنفر وتحشد الدعم
في العاصمة الفنزويلية، تزايدت مشاهد المظاهرات الموالية للحكومة، حيث خرجت قوات الأمن جنباً إلى جنب مع المدنيين في مسيرات تحمل صور مادورو وأعلام روسيا والصين.
وتقول السلطات إن “التهديد الأميركي يهدف إلى سرقة ثروات البلاد النفطية”، في حين تتهم المعارضة النظام باستخدام “فزاعة العدوان الخارجي” لتبرير القمع الداخلي.
وبحسب وثائق نشرتها “واشنطن بوست”، وجّه مادورو رسائل إلى موسكو وبكين وطهران يطلب فيها مساعدات عسكرية عاجلة تشمل رادارات دفاعية وطائرات مسيّرة وصواريخ أرض-جو، وتؤكد الوثائق أن روسيا تدرس تمويل خطة صيانة لطائرات “سوخوي” الفنزويلية، فيما أرسلت إيران دفعة من الخبراء لتشغيل أنظمة تشويش إلكتروني.
لكن مراقبين في موسكو يشيرون إلى أن قدرة روسيا على دعم فنزويلا محدودة للغاية، نظراً للعقوبات الغربية والحرب الطويلة في أوكرانيا، ويقول الباحث الروسي فيكتور جيفيتس إن “موسكو لن تنخرط عسكرياً في مواجهة مع واشنطن خارج أراضيها”، لكنها قد تكتفي بإمدادات محدودة ودعم استخباراتي “رمزي” لتثبيت الحليف اللاتيني.
وفي الوقت ذاته، بدأت بعض الدول الإقليمية، مثل البرازيل والمكسيك، وساطة غير معلنة لاحتواء التصعيد، إذ تخشى هذه الدول أن يؤدي أي عمل عسكري أميركي إلى انفجار موجات لجوء ضخمة من فنزويلا، وإلى اضطرابات سياسية داخل أميركا الجنوبية بأسرها.
الذاكرة العراقية تطارد المشهد
تُذكّر أجواء الحشد الأميركي في الكاريبي بمقدمات الغزو الأميركي للعراق قبل أكثر من عقدين. فحينها أيضاً نفت واشنطن نيتها الحرب، قبل أن تبدأ العمليات تحت ذرائع “الأمن القومي”، واليوم، يتكرر المشهد ذاته: بيانات متناقضة، صور للأقمار الصناعية تُظهر استعدادات عسكرية، وتصريحات عن “تهديدات محتملة”.
ويرى محللون أن تشابه الخطاب السياسي والإعلامي بين الحالتين ليس صدفة، بل يعكس منهجاً أميركياً ثابتاً في صناعة المبررات قبل أي تدخل.
وتقول الكاتبة الأميركية آن ماري سلاتر إن “اللغة التي يستخدمها البيت الأبيض حول تهديدات المخدرات تشبه تماماً لغة بوش عن أسلحة الدمار الشامل، مع فارق بسيط في التفاصيل”.
كما أن التركيز على “تغيير السلوك” الفنزويلي من دون تحديد أهداف عسكرية واضحة يعيد إلى الأذهان مصطلح “تغيير النظام” الذي استخدم في العراق وليبيا، ومع ذلك، فإن السياق الدولي اليوم أكثر تعقيداً، فواشنطن لا تتحرك في فراغ بل وسط نظام دولي متداخل ومشحون بأزمات من أوكرانيا إلى غزة، مما يجعل أي مغامرة عسكرية مغلفة بالمخاطر.
أما على الصعيد الداخلي الأميركي، فالرأي العام لا يبدو مستعداً لحرب جديدة، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية الأميركيين ترفض إرسال قوات إلى الخارج، خصوصاً في منطقة لا تمثل تهديداً مباشراً لأمنهم. لكن في السياسة الأميركية، ما يُرفض اليوم قد يُبرَّر غداً إذا تغيّرت الظروف.
المخدرات ذريعة.. والهدف إسقاط مادورو
يقول الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي د. مايكل وولترز إن ما يجري في الكاريبي يتجاوز كثيراً نطاق مكافحة المخدرات، فبحسب رأيه، “الولايات المتحدة تستخدم ملف التهريب كغطاء سياسي لإعادة تشكيل النظام في فنزويلا، بعد أن فشلت العقوبات الاقتصادية في زعزعة حكم مادورو”.
ويضيف وولترز أن “إدارة ترمب تحاول فرض ضغط مزدوج: اقتصادي وعسكري، لتجبر النظام الفنزويلي على القبول بانتقال سياسي أو مواجهة انهيار شامل”، لكنه يحذر من أن “أي تدخل عسكري، مهما كان محدوداً، قد يؤدي إلى ردود فعل غير محسوبة من حلفاء كاراكاس، خصوصاً إيران التي قد ترى في ذلك فرصة لتوسيع نفوذها في القارة اللاتينية”.
ويؤكد الخبير الأميركي أن البنتاغون “يختبر الآن سيناريوهات عدة، بينها تنفيذ ضربات رمزية لمواقع داخل الأراضي الفنزويلية، أو عمليات بحرية لشلّ الموانئ النفطية”، مشيراً إلى أن “كل هذه التحركات تهدف لإرسال رسالة: أن واشنطن ما زالت قادرة على الحسم متى أرادت”.
لكن وولترز يشدد في الوقت ذاته على أن “الظروف الدولية الراهنة لا تسمح بحرب واسعة، فالإدارة الأميركية تدرك أن أي تورط عسكري جديد سيكلّفها سياسياً واقتصادياً”، لذلك، يتوقع أن “تبقى المواجهة في إطار الضغط النفسي والعقوبات الموسعة، مع استخدام التهديد العسكري كورقة تفاوضية فقط”.
واشنطن تكرر أخطاء الماضي في نصف الكرة الغربي
يرى الباحث اللاتيني د. فيكتور دي لوس سانتوس أن التحركات الأميركية الأخيرة تعكس “ذهنية قديمة” تعود إلى مبدأ مونرو الذي يمنح واشنطن حق التدخل في شؤون القارة الجنوبية، ويقول إن “الولايات المتحدة لم تتعلم من دروس العراق أو أفغانستان، فهي ما زالت تؤمن أن القوة يمكنها فرض التغيير السياسي”.
ويشير دي لوس سانتوس إلى أن “التدخل العسكري الأميركي في أي بلد لاتيني غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يخلق حالة عداء شعبية ضد واشنطن ويقوّي التيارات اليسارية”، ويضيف أن “مادورو قد يخرج من الأزمة أقوى إذا نجح في تصوير نفسه كضحية عدوان خارجي”.
ويحذر الخبير من أن “استمرار الحشود العسكرية في الكاريبي قد يشعل سباق تسلح إقليمي، ويدفع بعض الدول الصغيرة إلى طلب الحماية من قوى غير غربية، ما يغيّر توازن القوى في نصف الكرة الغربي لعقود”.
ويختم بالقول إن “أفضل ما يمكن أن تفعله واشنطن الآن هو العودة إلى طاولة المفاوضات مع وسطاء مثل البرازيل والمكسيك، بدل السعي لفرض الحلول بالقوة”. فحسب تعبيره، “القوة قد تُسقط نظاماً، لكنها لا تبني دولة”.







