تُعدّ واقعة انتشار مقطع فيديو يُظهر نفوق ماشية قيل إنها في إحدى المزارع المصرية نتيجة الإصابة بمرض الحمى القلاعية، نموذجًا دالًا على كيفية اختبار قدرة مؤسسات الدولة المصرية على التعامل مع موجات التضليل الرقمي التي تهدد الثقة العامة في الأداء الحكومي. فبينما تزايدت سرعة تداول المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الاستجابة السريعة والشفافة جزءًا لا يتجزأ من منظومة إدارة الأزمات في الدولة، وهو ما ظهر بوضوح في طريقة تعامل وزارة الزراعة مع هذا الحدث.
فمع الساعات الأولى لانتشار الفيديو، سادت حالة من القلق بين المواطنين، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل كبير على تربية الماشية كمصدر رئيسي للدخل. وقد أثار المشهد المصور حالة من الذعر بسبب ما حمله من صور لماشية نافقة، زُعم أنها نتيجة تفشٍ وبائي داخل الأراضي المصرية. إلا أن تعامل الوزارة مع الواقعة جاء سريعًا وحاسمًا، من خلال بيان رسمي أكدت فيه أن الادعاءات الواردة في الفيديو غير صحيحة، وأن المقطع مزيف ومنسوب كذبًا إلى مزرعة مصرية، بينما الحقيقة أن المشاهد تعود لمزرعة في دولة باكستان، حيث نفقت الحيوانات هناك بسبب تسمم جماعي ناتج عن فيضانات واختلاط مواد سامة بالأعلاف والمياه.
عملية تضليل ممنهجة
هذا التحرك العاجل من وزارة الزراعة يعكس فهمًا متطورًا لطبيعة الأزمات الإعلامية في العصر الرقمي، إذ لم تكتفِ الوزارة بالنفي المجرد، بل قدّمت سياقًا واقعيًا مدعومًا بالأدلة، وهو تحديد الدولة الأصلية للمقطع والظروف المحيطة بالحادثة الحقيقية. مثل هذا النهج يعزز مصداقية الخطاب الرسمي، ويمنع الشائعات من التحول إلى حالة ذعر مجتمعي أو أزمة اقتصادية في قطاع الثروة الحيوانية.
تُبرز هذه الواقعة أيضًا أهمية التحريات الفنية والإعلامية في دعم الموقف الحكومي. فقد كشفت الوزارة أن الفيديو منشور منذ فترة طويلة على موقع “يوتيوب”، وأن بعض الحسابات أعادت نشره مؤخرًا في سياق جديد لإثارة البلبلة، مستخدمة مقاطع قديمة تعود إلى عامي 2012 و2022 حول إصابات سابقة بالحمى القلاعية. وهو ما يدل على أن عملية التضليل لم تكن عشوائية، بل اعتمدت على توظيف محتوى قديم في توقيت حساس، ما يجعل المواجهة ليست فقط بيطرية أو إعلامية، بل أمنية ومجتمعية أيضًا.
وفي المقابل، حرصت وزارة الزراعة على أن يتجاوز ردّها مجرد نفي الواقعة إلى طمأنة المواطنين بشأن الوضع الصحي العام للثروة الحيوانية في البلاد. فقد أكدت أن الوضع الوبائي آمن ومطمئن، وأن الدولة تنفذ بانتظام حملات قومية للتحصين ضد الأمراض الوبائية، في مقدمتها الحمى القلاعية وحمى الوادي المتصدع، بواقع ثلاث حملات شاملة سنويًا. هذه الرسالة لم تكن فنية فقط، بل سياسية أيضًا، لأنها أعادت الثقة في كفاءة الأجهزة البيطرية الحكومية، وأظهرت أن منظومة الوقاية قائمة ومستمرة وليست استجابة ظرفية لحادثة متداولة.
تضخيم الشائعات
يعكس هذا الموقف، في جوهره، تطورًا في فلسفة إدارة الأزمات لدى المؤسسات المصرية، التي باتت تتعامل مع الشائعة كحدث يتطلب تفكيكًا منهجيًا، لا مجرد إنكارٍ أو تجاهل. فالحكومة تدرك أن تجاهل الأكاذيب الرقمية يتيح لها الانتشار، وأن المواجهة الفعالة تبدأ من السيطرة على المعلومة وتقديم الرواية الموثوقة المدعومة بالأدلة. وقد ساعد هذا الأسلوب في امتصاص حالة القلق الشعبي بسرعة، إذ انتقل الخطاب العام من التساؤل والريبة إلى التفاعل الإيجابي مع الإجراءات الحكومية، خاصة بعد أن تناقلت وسائل الإعلام المحلية والدولية التوضيحات الرسمية.
ومن الزاوية الاجتماعية، فإن الواقعة تكشف عن فجوة في الثقافة الإعلامية لدى بعض المستخدمين، الذين يساهمون أحيانًا دون قصد في تضخيم الشائعات من خلال إعادة النشر دون تحقق. لذلك فإن تعامل الحكومة لم يقتصر على نفي المعلومة، بل تضمن أيضًا رسالة تربوية غير مباشرة حول ضرورة التحقق من المصادر قبل المساهمة في نشر أي محتوى يتعلق بالصحة العامة أو الأمن الغذائي.
أما من الناحية المؤسسية، فقد أظهرت الحملة القومية الجارية للتحصين ضد الأمراض الوبائية مدى جاهزية أجهزة الدولة لمواجهة المخاطر الصحية قبل وقوعها. فوجود لجان بيطرية ثابتة ومتحركة تعمل في جميع المحافظات يعكس أن هناك رؤية استباقية لحماية الثروة الحيوانية، وليس مجرد استجابة بعد حدوث الأزمة. كما أن استمرار تلك الحملات بانتظام، ثلاث مرات سنويًا، يدل على أن السياسة البيطرية في مصر تعتمد على الوقاية باعتبارها خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي الوطني.
إعادة نشر التوضيحات الحكومية
ومن الجدير بالذكر أن قطاع الثروة الحيوانية يمثل أحد الأعمدة الاستراتيجية في الاقتصاد الزراعي المصري، حيث يرتبط مباشرةً بملف الأمن الغذائي وتوفير البروتين الحيواني للمواطنين. ومن ثم فإن أي شائعة تتعلق بانتشار وباء بين الماشية يمكن أن تؤثر سلبًا على الأسواق المحلية، وترفع منسوب القلق لدى المستهلكين والمربين على حد سواء. ولذلك جاء رد وزارة الزراعة مصممًا بعناية للحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الشفافية والطمأنة، وبين كشف الحقيقة ومنع التهويل.
إن الأزمة، رغم كونها رقمية في الأساس، سلطت الضوء على أهمية التعاون بين الأجهزة الحكومية والمؤسسات الإعلامية في مواجهة التضليل، فالتفاعل السريع من وسائل الإعلام الرسمية والخاصة في إعادة نشر التوضيحات الحكومية ساهم في تقويض الشائعة ومنع تمددها. وهنا يظهر دور الإعلام المهني كحائط صدّ ضد المحتوى المفبرك الذي يستهدف ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
كما أن الواقعة تقدم نموذجًا لكيفية تحول الشائعة من تهديد إلى فرصة، إذ استغلت الحكومة الحدث لتأكيد التزامها بسياسات الوقاية والتحصين، واستعرضت أمام الرأي العام ما تقوم به من جهود لحماية الثروة الحيوانية، وهو ما ساهم في تعزيز صورتها المؤسسية داخليًا وخارجيًا.
إدارة الأزمات الرقمية
وإذا كانت الأزمة قد بدأت بمقطع فيديو مجهول المصدر، فإن نهايتها مثّلت درسًا في أهمية سرعة التواصل الرسمي وفاعلية الرد الموثق. لقد أدركت وزارة الزراعة أن المعركة في العصر الرقمي لا تُكسب في المكاتب المغلقة، بل في ساحة الفضاء الإلكتروني نفسها، حيث تتشكل الانطباعات العامة. فبينما تنتشر الشائعات بسرعة البرق، يصبح الرد الفوري المدعوم بالمعلومة الدقيقة سلاحًا حاسمًا في الحفاظ على الثقة العامة.
خلاصة القول، إن تعامل الحكومة المصرية مع واقعة فيديو نفوق الماشية يعكس تطورًا نوعيًا في إدارة الأزمات الرقمية، يجمع بين التحقق الفني، والرد الإعلامي السريع، والشفافية في عرض الحقائق، مع الحفاظ على استقرار الرأي العام. لقد تحولت الأزمة من احتمال لفقدان الثقة إلى مناسبة لإعادة تأكيد كفاءة الأجهزة الحكومية، وإبراز جاهزيتها في حماية الثروة الحيوانية والأمن الغذائي.
وهكذا، لم يكن نفي الشائعة مجرد إجراء دفاعي، بل ممارسة واعية لسياسة اتصال مؤسسية حديثة، تُدرك أن المعلومة في زمن السرعة هي خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع وثقته في دولته.







