تعكس حادثة سرقة المتحف الوطني بدمشق في نوفمبر 2025 واحدة من أكثر اللحظات دلالة على عمق الأزمة السورية الممتدة منذ سنوات، ليس فقط من حيث الخسارة المادية لقطع أثرية نادرة لا تُقدّر بثمن، بل من حيث رمزيتها السياسية والثقافية والاجتماعية. فالمتحف، الذي مثّل لعقود طويلة ذاكرة سوريا التاريخية، ومخزونها الهوياتي الممتدّ عبر الحضارات، تحوّل اليوم إلى مرآة لواقع بلد ممزق تتنازعه الفوضى، والبحث عن هوية جديدة بعد سقوط النظام السابق، وسط هشاشة أمنية وانقسامات سياسية واجتماعية عميقة.
إنّ سرقة التماثيل الرخامية والسبائك الذهبية من داخل المتحف الوطني لا يمكن قراءتها كمجرّد حادثة جنائية عابرة، بل هي انعكاس مباشر لاضطراب البنية المؤسسية للدولة السورية في مرحلتها الانتقالية، حيث تراجع سلطة القانون وضعفت قدرة الدولة على حماية رموزها الحضارية. لقد كان المتحف الوطني رمزاً للهوية السورية الجامعة، جامعاً بين آثار الآشوريين والفينيقيين والإغريق والرومان والعرب، أي بين الطبقات التاريخية التي شكّلت مفهوم “سوريا” ذاته. ومن ثم، فإنّ الاعتداء عليه هو في جوهره اعتداء على سردية الوطن، وعلى فكرة الاستمرارية التاريخية التي كانت تمنح السوريين شعوراً بالانتماء رغم الصراعات السياسية.
هشاشة الأمن في العاصمة
تأتي هذه السرقة في سياق متوتر يعبّر عن هشاشة الأمن في العاصمة، رغم الإجراءات المشددة التي اتُّخذت بعد الحرب، مثل نصب الكاميرات وتحصين الأبواب المعدنية. هذه الإجراءات التي كان يُفترض أن تحمي التراث، لم تستطع أن تصمد أمام تفكك منظومة الدولة، حيث يختلط فيها الإهمال بالفساد، وتتقاطع فيها المصالح الأمنية مع شبكات السوق السوداء للآثار، التي ازدهرت خلال سنوات النزاع. فالسوق العالمية للآثار السورية المسروقة باتت جزءاً من الاقتصاد الموازي الذي غذّته الحرب، ما يجعل من كل قطعة منهوبة ليست مجرد خسارة فنية، بل حلقة في منظومة استغلال سياسي واقتصادي طويلة الأمد.
من ناحية أخرى، تبرز الحادثة كعلامة على الأزمة العميقة في مفهوم “الملكية العامة” في سوريا بعد سنوات من الحرب والانقسام. فالآثار التي كانت تُعتبر إرثاً مشتركاً لكل السوريين باتت اليوم تُعامَل كغنائم يمكن الاستيلاء عليها. وهذا التحول في الوعي الجمعي يعكس انهيار الرابط بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن ومؤسساته. عندما يُنهب المتحف الوطني، فإن ما يُنهب في الحقيقة هو الإحساس بالمشترك، بالذاكرة الجماعية التي كانت تحفظ وحدة البلاد الرمزية حتى في أحلك مراحل الصراع.
عجز السلطات الجديدة عن فرض النظام
كما تكشف الحادثة عن مفارقة مأساوية تتعلق بعلاقة السوريين مع تاريخهم بعد الحرب. فبينما حاولت الجهات الثقافية إعادة تفعيل المتحف كمركز للحياة الفكرية والفنية، وإقامة معارض توثق الذاكرة الإبداعية للثورة والحرب مثل “مغيبون معتقلون” و“متحف السجون”، جاءت السرقة لتؤكد أن هذا الفضاء الذي أُريد له أن يكون جسراً نحو المصالحة مع الماضي، ما زال أسير الفوضى والانقسام. سرقة التماثيل ليست فقط فقداناً لمادة أثرية، بل إشارة إلى أن المصالحة مع الذاكرة السورية لم تتحقق بعد، وأن الجرح ما زال مفتوحاً في العمق.
من زاوية رمزية، يمكن اعتبار المتحف الوطني نموذجاً مصغراً لسوريا نفسها: بلد غني بالطبقات الحضارية، لكنه هش في بنيته السياسية والمؤسسية. فعندما ينهار النظام الأمني الذي يحمي المتحف، كما انهار من قبله النظام السياسي الذي حكم البلاد لعقود، فإن الفوضى لا تكتفي بتغيير السلطة، بل تمتدّ لتطال الأسس التي يقوم عليها معنى الدولة. وفي هذا السياق، يصبح المتحف رمزاً لفقدان السيطرة، ولعجز السلطات الجديدة عن فرض النظام، أو حتى عن الحفاظ على التراث الذي حاولت توظيفه كدليل على الاستمرارية والشرعية.
كذلك تطرح الحادثة أسئلة عميقة حول علاقة السلطة الجديدة بالثقافة والهوية. فالمتحف الذي كان، بعد سقوط نظام بشار الأسد، مركزاً لإعادة بناء الذاكرة الوطنية عبر الفن والمعارض، صار هدفاً للجريمة المنظمة. هذا يعني أن الثقافة، التي كان يُفترض أن تكون وسيلة للترميم النفسي والاجتماعي، لم تنجُ من منطق الصراع. بل ربما أضحت ضحية له، إذ تحوّل الاهتمام بالآثار إلى مجرد واجهة سياسية لا تحظى بالحماية الحقيقية على الأرض.
ساحة رمزية للصراع
ومن ناحية اجتماعية، فإن السرقة تبرز أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطنين أنفسهم. توقيف عدد من الحراس للاشتباه في تواطئهم مع اللصوص يسلط الضوء على انعدام الانضباط وغياب الولاء للمؤسسات. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها في السياق السوري تكتسب بعداً خاصاً، لأنها تعبّر عن انهيار منظومة القيم المدنية التي كانت تشدّ المجتمع. فالعامل في المتحف لم يعد يرى نفسه حارساً للتراث الوطني، بل مجرد فرد يسعى للبقاء في بيئة اقتصادية قاسية ومليئة بالفساد.
اللافت أيضاً هو تزامن الحادثة مع ذكرى مرور عام تقريباً على محاولة سرقة سابقة للمتحف ليلة سقوط النظام، تصدّى لها الحراس حينذاك ببسالة. المفارقة بين الحادثتين تكشف التحول في المزاج العام: من الدفاع عن التراث كرمز وطني في لحظة مفصلية، إلى التورط في نهبه أو التغاضي عن سرقته في مرحلة ما بعد النظام. هذا الانتقال من “الحراسة” إلى “السرقة” يلخص حالة التآكل في الوعي الوطني بعد سنوات من الدم والدمار.
كما يمكن قراءة الحادثة في إطار التنافس السياسي على رموز الهوية السورية بعد سقوط النظام. فالمتحف، الذي احتضن معارضاً توثق “ذاكرة الثورة” و“متحف السجون”، أصبح ساحة رمزية للصراع بين روايات مختلفة عن الماضي والحاضر. سرقته قد تعبّر عن محاولة لتقويض إحدى هذه الروايات، أو على الأقل عن انهيار الإجماع حول معنى هذا الفضاء الثقافي. في بلد لا يزال يعيد تعريف نفسه، يصبح كل موقع أثري أو فني ساحة نزاع غير معلن على المعنى والذاكرة.
غياب الثقة وانهيار القيم الجمعية
أما من منظور دولي، فإن الحادثة تضع المجتمع الدولي والمؤسسات الثقافية العالمية أمام اختبار جديد بشأن حماية التراث الإنساني في مناطق النزاع. فبعد تجربة تدمر ودير الزور وحلب، يأتي نهب متحف دمشق ليؤكد أن الخطر على الآثار السورية لم ينته بانتهاء الحرب العسكرية. بل هو مستمر في ظل ضعف الدولة، وتنامي شبكات التهريب العابرة للحدود التي تجد في الفوضى السياسية فرصة لتصريف الكنوز المنهوبة.
في النهاية، يمكن القول إن سرقة المتحف الوطني ليست حدثاً معزولاً، بل هي تجلٍ مركّب لمجمل التوترات السورية الراهنة: هشاشة الأمن، تفكك مؤسسات الدولة، غياب الثقة، وانهيار القيم الجمعية. إنها تذكير مؤلم بأن الحرب لم تدمّر فقط البنية المادية للبلاد، بل أيضاً بنيتها الرمزية والمعنوية. فما سُرق من المتحف ليس مجرد تماثيل أو سبائك، بل جزء من روح سوريا، ومن ذاكرتها التي كانت، يوماً، توحد أبناءها حول تاريخ مشترك، قبل أن يفرّقهم حاضر مضطرب.
ومن هنا، فإن استعادة القطع المنهوبة لن تكون ممكنة ما لم تُستعد أولاً الثقة بالدولة ومؤسساتها، وما لم يُعاد بناء علاقة السوريين بذاكرتهم على أسس جديدة قوامها المصالحة والوعي بالهوية الجامعة. فالمتحف يمكن ترميمه، لكن الذاكرة الوطنية الممزقة تحتاج إلى ما هو أعمق من ذلك: إلى مشروع وطني يربط بين الماضي والحاضر، بين الحجر والإنسان، وبين الذاكرة والعدالة. وفي غياب هذا المشروع، ستظل حادثة السرقة علامة دامغة على استمرار التصدع، وعلى أن طريق استعادة سوريا لنفسها ما زال طويلاً وشاقاً.






