على مدى ثلاثة أعوام كاملة، اجتمع فريق من المحققين المتخصصين كل صباح في مقر الشرطة الفيدرالية الألمانية بمدينة بوتسدام قرب برلين، في مهمةٍ وُصفت بأنها الأصعب منذ الحرب الباردة: تحديد الجهة التي تقف وراء تفجير خطوط أنابيب “نورد ستريم” في بحر البلطيق، الذي وصفته صحيفة The Guardian بأنه “أكبر عمل تخريبي في التاريخ الحديث للطاقة”.
لكن النتيجة لم تُحدث انفراجًا، بل فجّرت أزمة جديدة داخل أوروبا نفسها. فالأدلة التي تشير إلى ضلوع وحدة أوكرانية خاصة في العملية، بإشراف مباشر من الجنرال فاليري زالوجني القائد العام السابق للجيش الأوكراني، باتت تهدد بتقويض أسس التحالف الأوروبي الداعم لكييف.
من بطل قومي إلى مطلوب أوروبي
في تطورٍ لافت، رفضت بولندا تسليم أحد المشتبه فيهم إلى ألمانيا لمحاكمته، معتبرةً إياه “بطلاً قومياً” لأنه دمّر — وفق روايتها — أحد أهم مصادر تمويل آلة الحرب الروسية. بل ذهب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى السخرية من التحقيق قائلاً: “المشكلة ليست في تفجير خط الأنابيب، بل في بنائه أصلاً.”
وفي المقابل، تنتظر السلطات الإيطالية قرار محكمتها بشأن تسليم مشتبهٍ آخر — ضابط أوكراني سابق يُعرف باسم “سيرهي ك.” — بعد أن اعتُقل في منتجع ساحلي صغير بسان كليمنتي. وتشير صحيفة Wall Street Journal إلى أن الرجل رفع أثناء نقله إلى المحكمة ثلاثة أصابع في تحية وطنية أوكرانية، فيما اعتبر محاميه أن ما فعله “عملية عسكرية دفاعية” لا تخضع للقانون الجنائي.
التحقيق الألماني… أدلة لا يمكن تجاهلها
وفقًا لتقارير Der Spiegel وDie Zeit، تتبّع المحققون خيوط العملية عبر قوارب الإيجار، وأرقام الهواتف، ولوحات السيارات، وصولًا إلى صورةٍ التقطتها كاميرا سرعة في شمال ألمانيا أظهرت وجه غواص أوكراني. ومن خلال برنامج للتعرف على الوجوه، تم تحديد هويته وربطه بالمجموعة التي استأجرت القارب المستخدم في العملية.
لكن ما بدأ كتحقيقٍ أمني سرعان ما تحوّل إلى ملفٍ سياسيٍّ ضاغط. فبعدما أصدرت النيابة الفيدرالية الألمانية سبع مذكرات توقيف دولية بحق ثلاثة جنود وأربعة غواصين محترفين، اتضح أن أحد المشتبه فيهم غادر بولندا إلى أوكرانيا بسيارة تحمل لوحات دبلوماسية — ما زاد من حدة الجدل حول مدى تعاون الحلفاء في التحقيق.
ارتدادات داخل ألمانيا
في الداخل الألماني، انفجرت القضية سياسيًا. فقد استغل حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) القضية لتأليب الرأي العام ضد الحكومة، متهمًا إياها بـ“تمويل دولة تخرب البنية التحتية الأوروبية”. ومع ارتفاع أسعار الطاقة عقب التفجير، تصاعدت الدعوات إلى وقف المساعدات العسكرية لكييف وإعادة النظر في العلاقات مع موسكو.
حكومة المستشار أولاف شولتس سعت إلى احتواء التداعيات، مؤكدة أن “التحقيق لن يغيّر الالتزام السياسي تجاه أوكرانيا”، لكنها تعترف — وفق Reuters — أن العلاقات مع كييف باتت أكثر تعقيدًا منذ أن اكتسب التحقيق مصداقية قانونية يصعب إنكارها.
التحالف الأوروبي على المحك
القضية وضعت الاتحاد الأوروبي أمام معادلة محرجة وغير مسبوقة:
كيف يمكن الاستمرار في دعم دولة يُشتبه في أنها نفّذت هجومًا ضد بنية تحتية داخل الاتحاد؟
وهل تستطيع برلين الفصل بين أخلاقيات الدعم وحقها في العدالة دون أن تهتز مصداقيتها أمام ناخبيها؟
في ألمانيا، التي تتحمّل العبء المالي الأكبر في دعم أوكرانيا، تتصاعد الضغوط من المعارضة — خصوصًا من AfD واليسار الجديد — للمطالبة بـ“مراجعة شاملة للسياسة تجاه كييف”. وفي فرنسا وإيطاليا، تتحدث تقارير دبلوماسية عن ميلٍ متزايد نحو “الواقعية السياسية”، أي دعم أوكرانيا ضمن حدود المصالح لا الأيديولوجيا.
أما في بروكسل، فالمفوضية الأوروبية تؤكد أن “التحقيق لن يؤثر على الالتزام تجاه أوكرانيا”، لكن داخل الأروقة، تتزايد الأسئلة الصامتة حول مدى استدامة هذا الالتزام مع تصاعد الكلفة الاقتصادية والشعبوية الانتخابية.
بهذا المعنى، تحوّل الجدل الأوروبي من سؤال “من على حق؟” إلى سؤالٍ أكثر واقعية: “إلى أي مدى يمكننا الاستمرار؟”
وهي معادلة دقيقة قد تحدّد مستقبل التماسك الغربي أكثر مما تفعل المعارك على جبهات أوكرانيا.
الغاز… والحدود الجديدة للأمن الأوروبي
قبل التفجير، كان مشروع “نورد ستريم” الممتد لأكثر من 760 ميلاً تحت بحر البلطيق يمثل شريان الطاقة الأهم بين روسيا وأوروبا — رمزًا لاعتمادٍ متبادل بُني على فرضية أن الاقتصاد يمكن أن يتجاوز السياسة، وأن الغاز قد يكون لغة سلامٍ بين الشرق والغرب.
لكن تفجير سبتمبر 2022 أنهى تلك الفرضية. فقد أدّى إلى أكبر تسربٍ صناعي للميثان في التاريخ، وأغلق الباب أمام مرحلةٍ امتدت لعقود من التعاون الطاقي بين موسكو وبرلين. ومع انهيار المشروع، انهارت أيضًا فكرة “التكامل عبر المصالح” التي شكّلت أحد أعمدة الاستقرار الأوروبي بعد الحرب الباردة.
منذ ذلك الحين، أعادت أوروبا صياغة استراتيجيتها من الجذور: توسّعت في عقود الغاز المسال مع الولايات المتحدة وقطر، وزادت الاعتماد على النرويج، وسرّعت التحول إلى الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
لكن هذا التحرر من موسكو ولّد تبعية جديدة — هذه المرة للتحالفات السياسية والضمانات الأمنية الأميركية.
وهكذا، تكتشف أوروبا أن الاستقلال عن روسيا لا يعني التحرر من الاعتماد، بل انتقاله من خطوط الأنابيب إلى خطوط التحالفات.
الحقيقة كعبء استراتيجي
في النهاية، لا يبدو أن أحدًا — لا برلين ولا كييف ولا وارسو — مستعدٌ لفتح هذه القضية على مصراعيها. فالتصعيد العلني قد يقود إلى أزمةٍ سياسية تتجاوز حادثة التفجير نفسها. لكن الصمت الذي يُقدَّم على أنه “حفاظ على الوحدة” يخفي حرجًا عميقًا أكثر مما يخفي توافقًا.
فإذا كانت أوكرانيا بالفعل وراء العملية، كما تشير التحقيقات، فإن الأمر لا يقتصر على المسألة القانونية، بل يخلخل سردية الغرب عن الحرب نفسها. أما إذا لم تكن كييف متورطة، فإن مجرد الشكوك المنتشرة في العواصم الأوروبية كفيلة بإضعاف الجبهة الغربية التي تعاني أصلًا من الإرهاق الاقتصادي والسياسي.
من هنا، تتحول قضية نورد ستريم من تحقيقٍ جنائي إلى اختبار سياسي للتحالف الغربي، ولقدرة أوروبا على التوفيق بين العدالة والمصالح.
فالحقيقة في هذه الحالة ليست مسألة قانونية، بل عبء استراتيجي يمكن أن يزعزع الإجماع الأوروبي ويفتح الباب أمام صعود التيارات المناهضة للحرب.
لكن المفارقة أن تجاهل الحقيقة لا يقل خطورة عن إعلانها.
فالإصرار على الصمت باسم “الوحدة” قد يمنح موسكو انتصارًا سياسيًا مجانيًا — إذ ستبدو أوروبا كقارةٍ تُدين العنف حين يرتكبه خصومها، وتتغاضى عنه حين يصدر من حلفائها.
وفي هذا السياق، تبدو الحقيقة — كما قال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين — “الوحيدة القادرة على إنقاذ السياسة من نفسها”.






