أعاد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن استئناف الاختبارات النووية بعد توقف دام أكثر من ثلاثة عقود، إحياء ملف من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الدولية، إذ يشكل هذا القرار نقطة تحول جوهرية في طبيعة التوازنات الاستراتيجية بين القوى الكبرى، ويمهد لمرحلة قد تعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة التي ظن العالم أنها انتهت بلا رجعة.
عودة الصوت النووي الأميركي
يثير تصريح ترمب، الذي جاء خلال حديثه للصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان»، تساؤلات واسعة حول دوافع واشنطن في هذا التوقيت وما إذا كان الأمر مجرد رسالة ردعية أم خطوة فعلية نحو سباق تسلح جديد.
ويكتسب القرار الأميركي أهميته من سياقه الزمني، إذ يأتي في لحظة تشهد تصاعداً في التوتر بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وسط منافسة شديدة على النفوذ العسكري والتكنولوجي، وفي ظل هذه الأجواء المحتدمة، يبدو أن عودة الاختبارات النووية ستُقرأ باعتبارها مؤشراً على انتقال واشنطن من مرحلة الردع التقليدي إلى مرحلة أكثر هجومية، يعاد فيها تقييم القدرة النووية الهجومية للدولة العظمى.
وتشير مصادر في الكونغرس إلى أن قرار ترمب لم يكن مدرجاً على جدول أعمال الأمن القومي خلال الفترة الماضية، ما يعزز فرضية أن الإعلان المفاجئ قد جاء استجابة لضغوط داخلية في البنتاغون أو نتيجة تقديرات استراتيجية جديدة تتعلق بتطور الترسانة النووية لدى قوى منافسة.
ومع ذلك، فإن رفض ترمب الإفصاح عما إذا كانت الخطط ستشمل تفجير رأس نووي فعلي، يضفي المزيد من الغموض ويثير قلقاً دولياً بشأن طبيعة الأنشطة التي تخطط لها واشنطن.
ويرى مراقبون أن مسألة العودة للاختبارات تتجاوز مجرد الملف النووي بحد ذاته، إذ ترتبط بصورة مباشرة بإعادة رسم التوازنات العالمية، وتحديد موقع الولايات المتحدة في عالم تتزايد فيه النزاعات الجيوسياسية، فالقرار قد يُقرأ كإعلان رسمي بأن واشنطن لم تعد ترى نفسها ملزمة بالمسار التقليدي للحد من الأسلحة، ما يعكس تغيّراً جذرياً في فلسفة الأمن القومي الأميركي.
معاهدات على المحك
يمثل قرار ترمب تهديداً مباشراً لمنظومة الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية، وعلى رأسها معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي لم تُصدّق عليها الولايات المتحدة رسمياً لكنها التزمت عملياً بتجميد الاختبارات منذ زمن طويل.
ومن شأن التخلي عن هذا الالتزام أن يُحدث شرخاً كبيراً في مصداقية واشنطن بوصفها إحدى القوى التي كانت تدعو دوماً لعدم انتشار الأسلحة النووية.
كما يثير القرار أسئلة حول مستقبل معاهدة “ستارت الجديدة” التي لا تزال تمثل آخر أطر ضبط التسلح بين واشنطن وموسكو، فاستئناف الاختبارات النووية قد يدفع روسيا لإعادة النظر في التزاماتها، بل ربما يفتح الباب أمام موجة تطويرية جديدة لمنظومات الصواريخ الاستراتيجية. وفي حال انهيار هذه المعاهدة، سيكون العالم أمام مرحلة فوضى نووية مفتوحة.
وتشير تحليلات أمنية إلى أن عودة الاختبارات قد تشجع قوى أخرى تمتلك برامج نووية ناشئة أو غير معلنة، على اتخاذ خطوات مشابهة، مما يزيد احتمالات انتشار التكنولوجيا النووية بعيداً عن الرقابة الدولية، وتعد هذه النقطة تحديداً مصدر قلق بالغ للأمم المتحدة، التي ترى في التوجه الأميركي ضوءاً أخضر غير مباشر للدول الساعية لامتلاك قدرات نووية دون قيود.
وفي ظل هذا المشهد، تُطرح تساؤلات حول إمكانية قيام المجتمع الدولي برد فعل جماعي يحدّ من تداعيات القرار الأميركي، غير أن مؤشرات الواقع السياسي تشير إلى انهيار شبه كامل للتوافق الدولي فيما يخص الأمن النووي، وهو ما يجعل احتمالات ضبط التسلح أصعب من أي وقت مضى.
المعادلة الأميركية – الصينية – الروسية
على الساحة الدولية، تتصدر الصين قائمة الدول الأكثر حساسية تجاه قرار ترمب، إذ ترى بكين أن العودة الأميركية للاختبارات النووية تمثل رسالة مباشرة لها في خضم التصعيد حول تايوان والمحيط الهادئ.
ويشير خبراء عسكريون صينيون إلى أن واشنطن تحاول استعراض قوة تهدف لإعادة فرض معادلة الردع النووي في المنطقة.
أما روسيا، التي تمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم، فتتعامل مع القرار من زاوية مختلفة، حيث تعتبره تأكيداً على أن الولايات المتحدة تبحث عن تفوق نوعي يغطي أي فجوة قد تكون ظهرت في السنوات الأخيرة، وتؤكد موسكو أنها لن تقف مكتوفة الأيدي وأن خيار استئناف الاختبارات الروسية سيكون مطروحاً بقوة إذا مضت واشنطن في خطتها.
وفي السياق ذاته، تدرك الدول الأوروبية أن القرار الأميركي سيضعها في موقف بالغ الحساسية، إذ تجد نفسها بين الالتزام التاريخي بالشراكة الاستراتيجية مع واشنطن وبين مخاوف تصاعد التوتر الدولي الذي قد يجعل القارة في مرمى أزمات نووية متصاعدة، وقد بدأت بعض العواصم الأوروبية بالفعل في دراسة سيناريوهات تطور الأزمة.
وتشير تقارير مراكز الأبحاث الغربية إلى أن السباق النووي الجديد إن وُلد هذه المرة، فسيتخذ طابعاً مختلفاً تماماً عما كان خلال الحرب الباردة، إذ يعتمد على القدرات السيبرانية، وأنظمة الطائرات غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الرؤوس النووية الصغيرة “التكتيكية” التي قد تغير قواعد اللعبة بشكل جذري.
الغموض يفتح أبواب المخاوف
يمثل رفض ترمب الكشف عن طبيعة الاختبارات نقطة غموض تزيد من المخاوف العالمية، حيث يشير هذا التكتم إلى احتمالات عالية بأن تكون الاختبارات ليست مجرد محاكاة تقنية، بل ربما تتضمن تجارب ميدانية حقيقية. وتثير هذه المسألة مخاوف من أن يؤدي أي خطأ إلى كارثة بيئية أو إشعاعية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، تحذر الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن أي تفجير نووي، ولو كان محدوداً، سيشكل سابقة خطيرة قد تدفع دولاً أخرى إلى تنفيذ اختبارات مماثلة تحت ذريعة الحفاظ على الجاهزية العملياتية، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تملك أعلى درجات الأمان في منشآتها النووية، فإن مخاطر التجارب تبقى قائمة مهما كانت إجراءاتها محكمة.
من ناحية أخرى، يتخوّف دبلوماسيون أمميون من أن يؤدي القرار الأميركي إلى تقويض الاتفاقيات البيئية المرتبطة بسلامة الغلاف الجوي والمحيطات، حيث إن أي اختبار نووي سيترك آثاراً تمتد لعقود، وهو ما يجعل الأمر لا يتعلق بالأمن القومي فقط، بل بالكوكب بأكمله.
ويرى محللون سياسيون أن الغموض قد يكون جزءاً من استراتيجية متعمدة تعتمدها إدارة ترمب لخلق حالة من عدم اليقين لدى الخصوم، بما يعزز سياسة الردع الأميركية، ويبعث برسالة مفادها أن واشنطن مستعدة للذهاب إلى أقصى مدى في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.
واشنطن تستعيد لغة القوة
يقول د. مايكل لورنس، أستاذ الأمن النووي في جامعة جورج تاون، إن قرار ترمب يمثل عودة صريحة إلى لغة القوة التي تعتمد على إظهار التفوق النووي باعتباره وسيلة ردع أولى، لا مجرد قدرة دفاعية، ويضيف أن هذا التغيير يعكس رؤية الإدارة الأميركية الجديدة بأن العالم انتقل إلى مرحلة تتطلب صياغة أدوات ردع مختلفة.
ويشير لورنس إلى أن استئناف الاختبارات ليس مجرد خطوة عسكرية، بل هو إعلان سياسي موجّه للصين وروسيا بأن واشنطن بدأت فعلياً مرحلة تحديث نوعية لترسانتها، وأنها لم تعد تقبل بالاستمرار في إطار القدرات الموروثة التي تعود لحقبة الحرب الباردة، ويرى أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تسريع سباق التسلح العالمي.
ويضيف الخبير الأميركي أن المخاوف من تفجير رأس نووي تكمن في أن مثل هذا الاختبار سيغيّر قواعد اللعبة الدولية، إذ سيمنح الولايات المتحدة تجربة عملية على تطوير رؤوس نووية أقل وزناً وأعلى دقة، ما قد يدفع الدول المنافسة للتطوير بوتيرة أسرع، ويزيد من احتمالات المواجهة في مناطق التوتر.
ويختتم لورنس بأن عودة الاختبارات، في حال تنفيذها، ستمنح الولايات المتحدة تفوقاً معنوياً وتقنياً، لكنها في المقابل ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم القدرة على توقع سلوك القوى الكبرى، ما يجعل العالم أكثر عرضة لمخاطر سوء التقدير.
الكرملين يقرأ الرسالة.. والعالم على العتبة النووية
يرى يفغيني كوروليف، المحلل الروسي المتخصص في الاستراتيجيات النووية، أن إعلان ترمب يعكس رغبة الولايات المتحدة في استعادة دورها كقوة نووية مهيمنة، ويقول إن موسكو تدرك جيداً أن العودة الأميركية للاختبارات ليست حدثاً معزولاً، بل جزء من خطة أكبر تهدف لإعادة تشكيل النظام الدولي.
ويضيف كوروليف أن واشنطن تسعى إلى تطوير رؤوس نووية تكتيكية يمكن استخدامها في ساحات الصراع من دون الوصول إلى مستوى الحرب الشاملة، وهو تطور بالغ الخطورة لأنه يجعل العتبة النووية أقل ارتفاعاً، ويزيد احتمالات استخدامها الفعلي في النزاعات الإقليمية.
ويؤكد أن الرد الروسي سيكون محكوماً باعتبارات الردع المتبادل، ما يعني أن موسكو قد تجد نفسها مضطرة لاستئناف اختبارات مضادة لضمان عدم حدوث اختلال في ميزان القوى، ويحذر من أن أي سباق جديد لن يشبه سباق الحرب الباردة، بل سيكون أكثر سرعة وتعقيداً، ومبنيّاً على تكنولوجيا متقدمة غير مسبوقة.
ويرى كوروليف أن العالم يتجه نحو مرحلة تفكك في منظومة الحد من التسلح، مع غياب ثقة حقيقي بين القوى الكبرى، مما يجعل كل دولة تعتمد على ما يسميه الأمن الذاتي، حيث تسعى لتعزيز قدراتها منفردة دون انتظار توافقات دولية.







