تشهد الحدود الليبية، ولا سيما الجنوبية المشتركة مع تشاد، مستوى متصاعداً من التعقيد الأمني، يتداخل فيه المحلي والإقليمي، وتتشابك أطرافه بين جيوش نظامية وجماعات متمردة وعصابات تهريب وشبكات تنقيب غير شرعي عن الذهب. ويكشف التحرك الأخير لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر نحو تعزيز العلاقات العسكرية مع تشاد، وتشكيل «قوة مشتركة» لتأمين الشريط الحدودي الممتد على طول يقارب 1050 كيلومتراً، عن إدراك واضح لخطورة التحديات التي تتصاعد على هذه الجبهة. فالجنوب الليبي لم يكن يوماً مجرد منطقة حدودية مهملة، بل هو ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى المحلية والقبلية مع صراعات المعارضة التشادية وتحركات الفصائل المسلحة، ما يجعله أحد أكثر مناطق ليبيا هشاشةً وتعرضاً للاختراقات.
مواجهة الانفلات الأمني في دول الساحل والصحراء
برزت الإشكالية الأساسية في الجنوب خلال السنوات الماضية باعتباره مسرحاً مفتوحاً لجماعات مسلحة مارقة تصفها السلطات الليبية بـ«المتمردة»، وهي جماعات استفادت من حالة الانفلات الأمني التي ضربت دول الساحل والصحراء، لا سيما بعد انهيار بعض الأنظمة وحدوث فراغات جغرافية واسعة على امتداد الحدود. ومع غياب سلطة الدولة المركزية في ليبيا طوال العقد الماضي، تحولت تلك المناطق إلى مسارات تهريب، ومخابئ آمنة، ونقاط انطلاق لعمليات عابرة للحدود من وإلى تشاد والسودان والنيجر. وتضاعفت خطورة الأمر مع ازدهار ظاهرة التعدين غير الشرعي عن الذهب، التي جذبت مجموعات مسلحة وأفراداً محليين وأجانب، وخلقت اقتصاداً موازياً يغذّي صراعات نفوذ لا تقل عنفاً عن غيرها من مواجهات الصحراء.
المعركة التي خاضتها قوات «اللواء 128 معزز» بقيادة اللواء حسن الزادمة في منطقة جبال كلنجة، والتي انتهت بالسيطرة على «منجم ذهب» كانت تسيطر عليه عصابات تشادية، تكشف جانباً من هذا المشهد. فالذهب، قبل كونه مورداً اقتصادياً، يمثل في الجنوب الليبي مصدراً للنفوذ ولتمويل المجموعات المسلحة، وسبباً مباشراً في اشتعال نزاعات دامية. السيطرة على مناجم الذهب تعني السيطرة على مسارات التمويل التي تستخدم لاحقاً في شراء السلاح وتجنيد المقاتلين ودعم التحركات العسكرية داخل تشاد أو ليبيا. ومن ثمّ، لا يمكن الفصل بين مواجهة «الجيش الوطني» للعصابات المتوغلة في جبال كلنجة، وبين الجهود الرامية لإضعاف قدرة الجماعات المتمردة على إعادة التموضع والانطلاق من الأراضي الليبية باتجاه الداخل التشادي.
التصدي لتدفقات المتمردين إلى الأراضي الليبية
إعلان شعبة الإعلام الحربي عن تشكيل «قوة مشتركة» مع الجيش التشادي يأتي أيضاً في إطار مواجهة هذه التهديدات، لكنه يعكس في الوقت ذاته إدراكاً متبادلاً للحاجة إلى تعاون تتجاوز ضرورته المصالح التكتيكية. بالنسبة للجانب الليبي، فإن تعزيز التنسيق مع تشاد يهدف إلى إغلاق المنافذ التي تتسلل منها العصابات وقطع طرق الإمداد والتراجع. أما بالنسبة لتشاد، التي تعاني منذ سنوات من نشاط مكثف لجماعات المعارضة المسلحة ذات القواعد الخلفية في الجنوب الليبي، فإن التعاون يهدف إلى حماية عمقها الأمني ومنع تكرار سيناريوهات دموية كالتي قُتل فيها الرئيس إدريس ديبي في أبريل 2021 خلال اشتباكات مع مجموعات متمردة كانت قد عبرت الحدود من ليبيا.
ويبدو أن الدور الذي يقوم به الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الليبي، يمثل محوراً رئيسياً في هذه الجهود. فمن خلال الزيارات المتكررة التي قام بها إلى إنجامينا بصفته مبعوثاً شخصياً لوالده، سعى إلى فتح قنوات تعاون مباشر مع الرئيس محمد إدريس ديبي، بهدف مناقشة تدفقات المتمردين إلى الأراضي الليبية، ووضع ترتيبات أمنية مشتركة، وتفعيل المعابر الحدودية. هذا التواصل السياسي – العسكري يسعى إلى خلق بيئة يمكن عبرها ضبط الحدود التي طالما مثّلت ممراً لمحاولات زعزعة الاستقرار في كلا البلدين، وهو ما يتطلب تنسيقاً عالياً وإجراءات ميدانية متزامنة.
على الأرض، تعكس عمليات الانتشار التي نفذتها تشكيلات الجيش الليبي في جبال تيبستي في يوليو 2024 طبيعة التحديات وخطورتها. فتيبستي تمثل نقطة توتر مزمنة في مثلث حدودي شديد التعقيد، وتعد من أبرز مناطق تحرك العصابات المسلحة، حيث تضاريس وعرة ومساحات شاسعة تتيح فرصاً كبيرة للاختباء والمراوغة، مما يجعلها بيئة مثالية لمن يحاول الإفلات من الرقابة. ورغم أن المعارضة التشادية نفت مسؤوليتها عن الاشتباكات الأخيرة، فإن حالة الشك المتبادل بين الأطراف، وحدود القدرة على التحقق من هوية الجماعات المنتشرة في الصحراء، تجعل المنطقة عرضة دوماً للاتهامات والاشتباكات غير المسبوقة.
انتشار الفوضى الأمنية وسط غياب التنمية
التحدي الآخر يرتبط بالهجرة غير النظامية وتجارة البشر. فالمسارات الممتدة من الجنوب الليبي باتجاه الشمال تُعد واحدة من أهم طرق العبور نحو المتوسط. ومع تصاعد الضغوط الدولية على ليبيا لضبط هذه الظاهرة، فإن أي خلل في أمن الحدود الجنوبية ينعكس مباشرة على الداخل الليبي، سواء عبر تدفق موجات جديدة من المهاجرين أو عبر دخول عصابات تهريب محترفة تستغل الفوضى والفراغ الأمني. هذه المجموعات لا تتردد في التحالف مع جماعات مسلحة محلية أو أجنبية، بما يضيف طبقات جديدة من التعقيد الأمني.
كما يشكل تهريب السلاح والوقود والبضائع خطراً إضافياً، إذ تُعد الحدود الجنوبية منفذاً رئيسياً لهذه الأنشطة التي تموّل جماعات محلية وتُضعف سلطة الدولة. وكلما زادت قدرة «الجيش الوطني» على إغلاق هذه المنافذ، زادت بالمقابل محاولة الأطراف المستفيدة من الوضع القائم لإيجاد مسارات جديدة، ما يخلق سباقاً دائماً بين إجراءات الضبط ومحاولات التحايل.
وعلى الصعيد الداخلي، تعكس الجولات التي يقوم بها صدام حفتر داخل المدن الليبية، مثل زيارته الأخيرة إلى أمساعد، مسعى لتعزيز الحضور العسكري – المدني في المناطق الحدودية الشرقية والجنوبية. فربط الأمن بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي يعد بُعداً أساسياً في جهود السيطرة على الحدود. عندما يشعر السكان المحليون بأن الدولة حاضرة وقادرة على توفير الخدمات، تتراجع فرص استقطابهم من قبل العصابات أو الجماعات المسلحة. لكن غياب التنمية، أو تأخر الخدمات، يفتح الباب أمام تعاون بين بعض السكان المحليين وهذه الجماعات، إما بدافع المصلحة الاقتصادية أو نتيجة ضعف الدولة.
خطورة الانقسام السياسي
حجم التهديدات على الحدود الليبية يُقاس إذاً بتعدد مصادرها، وتشابك العوامل التي تخلقها، واتساع المساحة الجغرافية التي تحتاج إلى مراقبة وتأمين. فهي ليست مجرد حدود بين دولتين، بل امتداد صحراوي يتحرك فيه خليط من المتمردين، والمهربين، والتنقيب غير الشرعي، والمهاجرين، وقوى محلية قبلية لكل منها مصالحها وحساباتها. وما يزيد الوضع حساسية هو وجود سياقات سياسية متداخلة داخل ليبيا نفسها، حيث الانقسام السياسي يجعل من أي جهد أمني كبير عرضة للتجاذب.
ورغم هذه التحديات، يبدو أن التحركات الأخيرة نحو تشكيل قوة مشتركة ليبية – تشادية، وتعزيز آليات التنسيق، تمثل خطوة مهمة في اتجاه استعادة السيطرة على واحدة من أكثر الجبهات هشاشة. غير أن نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بمدى استمرار التنسيق بين الطرفين، وقدرتهما على معالجة جذور التهديدات وليس فقط مظاهرها الميدانية، إلى جانب ضرورة دعم المجتمعات المحلية وتعزيز حضور الدولة بمفهومها المؤسسي وليس العسكري وحده.
الحدود الجنوبية لليبيا تشكّل اليوم نقطة اختبار لقدرة الأطراف الفاعلة على إعادة بناء منظومة أمنية مستقرة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. فكل خطوة تُتخذ نحو إرساء الأمن هناك، تنعكس على عموم المشهد الليبي، وعلى استقرار منطقة الساحل والصحراء بأسرها.






