تركيا في الساحل: كيف تحولت أنقرة إلى القوة الأكثر صعوداً في فراغ جيوسياسي متفجّر؟
تشهد منطقة الساحل الأفريقي واحدة من أعقد التحولات الجيوسياسية خلال العقد الأخير، بعد انهيار منظومة الأمن التي صاغتها فرنسا والولايات المتحدة طوال عقود، إثر موجة الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ومع انسحاب الجيوش الغربية وتفكك البنية الأمنية التقليدية، برزت تركيا بشكل لافت كلاعب قادر على إعادة تشكيل المشهد، مستفيدة من قدرتها على المزج بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والدبلوماسية في إطار واحد.
ففي الوقت الذي فشلت فيه القوى التقليدية في تكييف أدواتها مع التحولات العميقة في مزاج المجتمعات المحلية وتوازنات القوة في الساحل، تحركت أنقرة وفق مقاربة أكثر مرونة وفاعلية، مكّنتها من اكتساب نفوذ لم يكن متخيلاً قبل سنوات قليلة.
من القوة الناعمة إلى “الوجود المتكامل”: تحوّل في العقيدة التركية
منذ مطلع الألفية، شرعت تركيا في إعادة تعريف موقعها الدولي من خلال تبنّي فلسفة “العمق الإستراتيجي”، وهي رؤية لا تعتبر إفريقيا مجرد امتداد تجاري أو مساحة نفوذ رمزية، بل فضاءً جيوسياسياً يمكن أن يشكّل رافعة مهمة لمكانة أنقرة العالمية. هذا التحول لم يكن عابراً ولا ظرفياً؛ فقد بدأ بخطوات محسوبة ارتكزت على أدوات القوة الناعمة: المساعدات الإنسانية، المشاريع التعليمية، حضور الوكالات الثقافية، وفتح السفارات في دول كانت العلاقات معها شبه معدومة. وبذلك استطاعت تركيا أن تبني شرعية وجودها في القارة من خلال خطاب “الشراكة المتوازنة” في مقابل الإرث الاستعماري الأوروبي.
لكن التحولات الجيوسياسية الإقليمية، وعلى رأسها الانكفاء الفرنسي المتسارع في الساحل وغرب إفريقيا، منحت أنقرة فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر طموحاً. فلم تعد إفريقيا بالنسبة لتركيا مجرد مجال للتواصل الثقافي أو الإنساني، بل منصة استراتيجية لإعادة توزيع موازين القوة. ومع تصاعد الطلب الإفريقي على بدائل غير غربية، دخلت تركيا مرحلة جديدة تعتمد على دمج أدوات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا ضمن مقاربة واحدة، قائمة على تطوير شراكات دفاعية مرنة، وتقديم حلول عسكرية منخفضة التكلفة مقارنة بالمنافسين التقليديين، وتوسيع شبكات البنية التحتية في النقل والاتصالات والطاقة.
هذا التقدم لم يكن تقنياً فقط، بل كان ثمرة قراءة تركية لواقع دول الساحل التي باتت تبحث عن شركاء يحترمون سيادتها ولا يفرضون شروطاً سياسية ثقيلة. وهكذا انتقلت أنقرة من دور الفاعل الإنساني إلى دور الفاعل الشامل، الذي يربط بين تصدير التكنولوجيا الدفاعية، وتعزيز التجارة الثنائية، وتأمين ممرات لوجستية جديدة، وصولاً إلى الانخراط في مشاريع مرتبطة بالموارد الاستراتيجية.
الطائرات المسيّرة: سلاح تركيا الذهبي في الساحل
يرى خبراء المجلس الأطلسي أن صعود النفوذ التركي في منطقة الساحل لم يكن نتاج نشاط دبلوماسي أو اقتصادي فحسب، بل ثمرة تفوّق واضح في مجال المسيّرات، التي أصبحت العمود الفقري للعقيدة الأمنية الجديدة في المنطقة. فمع دخول مسيّرات مثل بيرقدار TB2 وAkinci إلى مسرح العمليات، تغيّر ميزان القوة بصورة ملموسة لصالح الحكومات المحلية التي وجدت نفسها فجأة تملك قدرة مراقبة جوية مستمرة وبكلفة منخفضة، مقارنة بما كانت توفره القوى الغربية سابقاً.
هذا التفوّق التكنولوجي منح الجيوش الإفريقية أدوات لم تكن متاحة من قبل: استطلاع يومي دون الحاجة لطائرات باهظة التشغيل، واستهداف دقيق للجماعات المسلحة في بيئات صحراوية معقدة، وتقليص شديد للاعتماد على قوات أجنبية واسعة الانتشار. ومع ذلك، كان الأثر الأبرز يتمثل في قدرة هذه المسيّرات على خلق توازن جديد أمام النفوذ الروسي، الذي يعتمد في الغالب على عناصر “فاغنر” أكثر من اعتماده على التكنولوجيا المتقدمة، ما جعل العروض التركية أكثر جاذبية للحكومات العسكرية الباحثة عن شريك يمنحها أدوات سيادية لا قوات بديلة.
ولأجل تكريس هذا التحول، نشرت أنقرة أنظمتها المسيّرة في مواقع استراتيجية متعددة داخل المنطقة، أبرزها نيامي وباماكو، حيث شكّلت هذه القواعد مظلة أمنية قادرة على إعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية. وبهذا اكتسبت الأنظمة العسكرية الجديدة هامشاً أكبر للمناورة، وقدرة أعلى على ضبط أراضيها، ووسيلة فعالة لتعويض الانسحاب الغربي وتراجع الخيارات الأمنية التقليدية. لقد سمحت التكنولوجيا التركية للساحل بأن يكتب صفحة جديدة في طريقة إدارة الصراع، صفحة تُدار من السماء أكثر مما تُدار من الأرض.
الاقتصاد كأداة نفوذ: من البنية التحتية إلى المعادن الحيوية
شبكة دبلوماسية مكثّفة: إعادة تعريف النفوذ
لم يكن التمدد التركي في الساحل مجرد انعكاس لقوة عسكرية أو اقتصادية صاعدة، بل جزءاً من بنية دبلوماسية أعادت صياغة مفهوم النفوذ نفسه. فمع كل خطوة عسكرية أو مشروع بنية تحتية، كانت أنقرة توسّع شبكتها الدبلوماسية بوتيرة غير مسبوقة: فتح سفارات جديدة، وتفعيل مراكز استخباراتية في نقاط حساسة، وبناء علاقات مباشرة مع القادة العسكريين بعيداً عن قنوات البروتوكول التقليدية. وإلى جانب ذلك، استُخدمت المساعدات الإنسانية كوسيلة لبناء صورة “الشريك النزيه” الذي لا يرث ثقل الماضي الاستعماري ولا يفرض شروطاً سياسية قاسية. هذا المزيج منح تركيا قدرة حقيقية على التأثير في القرارات السيادية للأنظمة الجديدة، في وقت كانت فيه فرنسا تخسر مكانتها نتيجة تراكم عقود من الهيمنة وعدم المساواة.
ومع تراجع الدور الروسي بسبب الحرب في أوكرانيا، وتبدّل أولويات واشنطن بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، برزت تركيا كلاعب قادر على ملء فراغ معقد. فهي تتعاون مع الولايات المتحدة في الملفات الأمنية الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تتجنب أي مواجهة مباشرة مع روسيا، وتحافظ على قنوات مفتوحة مع الحكومات العسكرية التي ترفض العودة إلى النفوذ الغربي. هذه القدرة على الوقوف بين موسكو وواشنطن، لا كخصم ولا كوكيل، جعلت أنقرة وسيطاً إستراتيجياً و”حلقة وصل” نادرة في بيئة مشحونة بالتنافس العالمي.
ويُعزى تميز النموذج التركي مقارنة بروسيا والغرب إلى ثلاث سمات أساسية. أولها تنوع الأدوات؛ فتركيا لا تبيع السلاح فقط، بل تعرض حزمة متكاملة تشمل التكنولوجيا، والتعليم، والبنية التحتية، والمساعدات الإنسانية. ثانيها أن كلفة المعدات الدفاعية التركية تبقى منخفضة بما يسمح لدول الساحل باقتنائها دون الارتهان للقروض الغربية الثقيلة. أما السمة الثالثة فهي الخطاب السياسي؛ إذ تقدم أنقرة نفسها بوصفها شريكاً يرفض منطق الوصاية الاستعمارية، وهو خطاب يجد صدى إيجابياً لدى شعوب المنطقة التي سئمت النبرة المتعالية لباريس.
بهذه العناصر مجتمعة، لم تعد تركيا مجرد قوة صاعدة في إفريقيا، بل مشروع نفوذ يناور بمرونة بين القوى الكبرى، وينجح في تقديم بديل واقعي في منطقة تبحث عن شراكات جديدة خارج الأطر التقليدية.







