في الأشهر التي تلت وقف الحرب في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدت الساحة اليمنية مقبلة على هدوء نسبي بعد توقف الهجمات الحوثية على السفن والملاحة الدولية، لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحركات داخلية مكثفة تشير إلى أن جماعة الحوثي تستعد لمرحلة جديدة من التصعيد. فقد اتجهت الجماعة إلى تنظيم عشرات الاستعراضات المسلحة اليومية في المدن والأرياف الخاضعة لها تحت شعار «الجاهزية والاستعداد»، الأمر الذي أثار مخاوف يمنية ودولية من احتمالية أن تكون هذه التحركات مقدمة لنسف التهدئة المستمرة مع الحكومة اليمنية منذ أبريل (نيسان) 2022.
استعراضات عسكرية شكلية
اللافت أن هذه الأنشطة الميدانية تأتي في لحظة تشهد فيها الجماعة حالة من التراجع على أكثر من صعيد، سواء لجهة قدراتها العسكرية التي استنزفت في السنوات الأخيرة، أو لجهة تراجع حضورها الإقليمي بعد توقف الهجمات الخارجية التي حاولت من خلالها تقديم نفسها لاعباً إقليمياً مؤثراً في صراع أكبر يتجاوز اليمن. هذا التراجع، وفق الحكومة اليمنية، يدفع الجماعة إلى اللجوء إلى «استعراضات شكلية» تهدف إلى إيهام قواعدها الداخلية بأنها ما تزال قادرة على الحشد وتمتلك زمام المبادرة.
ترى الحكومة اليمنية، كما يعبر وزير الإعلام معمر الإرياني، أن الجماعة تمر بـ«واحدة من أضعف مراحلها منذ انقلابها على الدولة»، وأن الضربات العسكرية التي تلقتها خلال العامين الماضيين، إلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة خصوصاً في صفوف قياداتها العقائدية، قد أسهمت في إرباك بنيتها التنظيمية. كما أن الجهود الدولية المستمرة في «تجفيف مصادر تمويلها وتسليحها» بدأت تؤثر على حركتها الاقتصادية والعسكرية، وهو ما يظهر بوضوح في تراجع عمليات التجنيد الإجباري وصعوبة تعبئة الأنصار، إضافة إلى اعتماد الجماعة على حملات دعائية غير مسبوقة لتعويض هذا التراجع.
ورقة فلسطين لتحقيق مكاسب داخلية.
إلى جانب هذه الأزمة الداخلية، تواجه الجماعة تحدياً بنيوياً يتعلق بعلاقتها التاريخية المعقدة مع القبيلة اليمنية. فمنذ نشأتها، خاضت الجماعة مواجهات عنيفة مع قبائل متعددة، بدءاً من صعدة وعمران وصولاً إلى صنعاء وذمار والبيضاء وحجة. وقد اعتبرت القبيلة، عبر دورها التاريخي الممتد في حماية الجمهورية، الخطر الأكبر على المشروع السلالي الذي تتبناه الجماعة. هذا السجل الحافل بالصدامات أدى إلى فقدان الجماعة العمق الاجتماعي الذي كانت تسعى إلى اختراقه. ورغم محاولاتها الحالية لإظهار تقارب مع القبيلة عبر تنظيم «وقفات قبلية» تصفها بأنها دعم للمشروع الوطني، فإن الحكومة تراها محاولة مكشوفة لتضليل المجتمع وإعطاء انطباع بوجود حاضنة اجتماعية متماسكة.
إن ما يجري اليوم في مناطق سيطرة الحوثيين يعكس مفارقة سياسية واضحة: فمن جهة، تحاول الجماعة الإيحاء بأنها في ذروة قوتها عبر الاستعراضات المسلحة الضخمة. ومن جهة أخرى، تشير المعطيات الميدانية إلى أنها تواجه انحساراً في قدرتها على السيطرة الداخلية، وتراجعاً في هيمنة قياداتها، وفشلاً في توظيف ورقة فلسطين لتحقيق مكاسب داخلية. فبعد أن هدأت الهجمات الخارجية التي كانت تشكل أحد مصادر الدعم المعنوي لقاعدتها الشعبية، تراجعت قدرة الجماعة على تصوير نفسها كقوة إقليمية موالية لـ«محور المقاومة» أو لاعب حاضر في صراع أكبر ضد إسرائيل.
هذا التراجع الإقليمي ترافق مع تغيرات داخلية في موقف القبائل اليمنية، التي ترى الآن – وفق الإرياني – أن الجماعة تمثل تهديداً وجودياً لها. فالقبائل التي «حملت الجمهورية على أكتافها» لن تكون – برأي الحكومة – جزءاً من مشروع «الإماميين الجدد»، ولن تقبل بتفكيك هياكلها التقليدية لحساب مشرفين حوثيين يفرضون الجبايات غير القانونية والتجنيد القسري. وتظهر التقارير الحكومية أن الجماعة تواجه موجات رفض صامتة داخل مناطق نفوذها، وأن الاستعراضات المسلحة التي تجبر السكان على حضورها تهدف إلى إخفاء هذا الرفض المتنامي.
لماذا تسعى الجماعة لنسف التهدئة؟
ومع ذلك فإن السؤال الجوهري الذي يشغل القوى اليمنية والدولية هو ما إذا كانت هذه التعبئة الحوثية مقدمة لعودة التصعيد العسكري، أم أنها مجرد محاولة للاستهلاك الداخلي لتضليل الأنصار. المؤشرات المتوفرة تشير إلى احتمالين: الأول، أن الجماعة تسعى بالفعل إلى نسف التهدئة بعد أن فقدت فوائدها السياسية، خصوصاً أن اتفاق وقف الحرب في غزة تسبب في تقليص هامش مناورتها الإقليمي. والثاني، أن الجماعة تعيش حالة ضعف وترغب في إخفائها عبر تضخيم قدراتها العسكرية.
وبين السيناريوهين، تبقى الحقيقة أن الجماعة لم تُظهر إلى الآن التزاماً واضحاً بأي عملية سياسية مستقرة. فمنذ بداية الهدنة في 2022، لم تقدم أي تنازلات تضمن انتقالاً سلمياً أو انخراطاً فعلياً في مشروع الدولة. بل عملت على تعزيز قبضتها على المؤسسات المحلية، والاستثمار في اقتصاد الحرب، وتوسيع منظومة الجبايات، ما أدى إلى تدهور الوضع المعيشي في مناطق سيطرتها.
الاستعراضات العسكرية، في هذا السياق، يمكن قراءتها كرسالة مزدوجة: رسالة إلى الداخل تهدف إلى منع التململ الشعبي، ورسالة إلى الخارج تقول إن الجماعة ما زالت «في وضع الاستعداد» لإعادة تشغيل جبهة البحر الأحمر عند الضرورة. لكن هذه الرسالة تواجه شكوكاً دولية واسعة في ظل ظروف إقليمية ضاغطة تستدعي من الحوثيين الابتعاد عن أي تصعيد قد يجرّهم إلى مواجهة واسعة لا قدرة لهم على تحملها.
الحسابات المحلية مع مسار التهدئة الإقليمية
وفي الوقت نفسه، تؤكد الحكومة اليمنية أن مؤشرات الضعف داخل الجماعة تتزايد، وأن القبائل اليمنية التي عانت من الانتهاكات الحوثية طوال السنوات الماضية باتت أقرب إلى رفض هيمنة الجماعة. ويشير الإرياني إلى أن القبيلة ستظل «الرقم الصعب» في مستقبل اليمن، وأنها ستقول كلمتها عندما تتوفر اللحظة المناسبة، خصوصاً أن المعادلة الحالية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. فالمشروع الحوثي الذي يعتمد على القوة المسلحة والسيطرة بالقهر لا يملك مقومات البقاء في مجتمع قبلي تعددي، ولا في بيئة إقليمية ودولية تتجه نحو تسويات تدريجية.
يبدو أن اليمن مقبل على مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع مسار التهدئة الإقليمية. فبينما تحاول الجماعة إعادة إنتاج خطاب القوة بعد تراجعها الإقليمي، تعمل الحكومة اليمنية على إبراز نقاط ضعفها وإظهار أن حالة الاستعراض العسكري ليست سوى غطاء هش لأزمة عميقة في بنيتها.
وفي ظل غياب تقدم سياسي حقيقي، قد تبقى هذه الاستعراضات مجرد مظاهر شكلية تعكس مأزق الجماعة، لا قوتها. ويبقى مستقبل التهدئة مرهوناً بقدرة الأطراف اليمنية والدولية على منع انزلاق الحوثيين إلى مغامرة جديدة، وبقدرة القبيلة اليمنية على استعادة دورها التاريخي في حماية الدولة ومنع اختطافها من قبل مشروع عقائدي مسلح لا يقبل بالشراكة ولا يعترف بالدولة إلا بقدر خضوعها له.







