شهدت قمة العشرين في جوهانسبرغ واحدة من أكثر الجلسات حساسية هذا العام، بعدما تحوّل الهامش السياسي بين الزعماء إلى مساحة لنقاشات حاسمة حول مستقبل الصراعات الدولية.
تفاصيل لقاء كارني وماكرون
كان اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقدمة هذه اللقاءات، حيث اقترب الطرفان من بحث ملفات معقدة تؤثر بعمق على الأمن العالمي، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة.
جاءت محادثات كارني وماكرون في توقيت تتشابك فيه المصالح بين البلدين، خاصة مع التحوّلات الجيوسياسية داخل مجموعة الدول السبع والعشرين، ومع تصاعد الانقسامات بين القوى الكبرى بشأن كيفية التعامل مع حربين مفتوحتين في وقت واحد.
وفيما تحاول كندا إنهاء رئاستها لمجموعة السبع بقدر من التماسك السياسي، تستعد فرنسا لدخول مرحلة قيادية جديدة تتطلب رؤى واضحة حول الملفات الأشد تعقيداً وتأثيراً.
وخلال اللقاء، بدا واضحاً أن الزعيمين يسعيان إلى مقاربة مشتركة تُعيد ضبط بوصلة المواقف الغربية تجاه أوكرانيا وغزة. فكلاهما يدرك أن أي تفكك داخل المعسكر الغربي يمنح الخصوم مساحة أكبر لفرض وقائع جديدة على الأرض. ولذلك ركزا على ضرورة دعم حلول سياسية قابلة للتطبيق، لا مجرد بيانات دبلوماسية تتكرر في كل اجتماع دولي دون أثر فعلي.
وعلى الرغم من اختلاف السياقات بين الحربين، فإن الطرفين يريان أن أي تحرك فعال يجب أن يقوم على عنصرين أساسيين: ضمانات أمنية متينة لأوكرانيا تعيد الثقة للغرب، وممرات إنسانية مستدامة في غزة تمهّد لعملية إعادة إعمار تُوقف الانهيار الإنساني المتسارع، وبهذا يسعى الطرفان إلى بناء إطار شامل يسمح بتقليل التصعيد وإعادة الأطراف الدولية إلى مسار السياسة بدلاً من منطق القوة العسكرية.
تهدئة الصراعات الدولية
لم يكن نقاش كارني وماكرون منفصلاً عن ضغوط كواليس قمة العشرين، حيث حملت الدول المشاركة أجندات مختلفة، بعضها يسعى للتهدئة وبعضها يراهن على إطالة أمد الصراعات، وفي ظل هذا التناقض، جاء اللقاء بين الطرفين خطوة لكسر حالة التشتت داخل المعسكر الغربي، خصوصاً أن تطورات أوكرانيا تعيد رسم خرائط النفوذ في أوروبا الشرقية.
ويحاول ماكرون منذ سنوات دفع أوروبا نحو استقلالية استراتيجية أوسع، تُجنّبها الارتهان الكامل للسياسات الأميركية، ولذلك فإن موقفه من أوكرانيا يحمل في طياته رغبة فرنسية في بناء سياسة أوروبية أكثر قوة واتساقاً. وقد وجد في كارني شريكاً يوازن بين الالتزام الأطلسي والدور الدولي لكندا، بما يعزز فرص صياغة موقف مشترك يلقى دعماً داخل مجموعة السبع.
من جهته، يدرك كارني أن إنهاء رئاسته لمجموعة السبع بملفات مفتوحة يضعف صورة بلاده كفاعل دولي مؤثر.
ولذلك يسعى إلى تسليم “ملف منضبط” لفرنسا، يقوم على مبادئ واضحة حول أوكرانيا وغزة، مع تعزيز التنسيق في ملفات الطاقة والتكنولوجيا والدفاع لضمان استمرار الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على الأطراف المتسببة في تأجيج الأزمات.
وفي ملف غزة، تحاول كندا وفرنسا تجاوز التعقيدات السياسية والتركيز على البعد الإنساني، خصوصاً مع تدهور الأوضاع في القطاع بشكل غير مسبوق، ولذلك يشدد الطرفان على ضرورة فتح ممرات إنسانية آمنة وتسريع إعادة الإعمار باعتبارها المدخل الوحيد لإعادة الأطراف المعنية إلى طاولة الحوار السياسي.
بين أوكرانيا وغزة.. مسارات متوازية ومخاطر متداخلة
تبدو الحرب في أوكرانيا والأزمة في غزة كمسارين منفصلين، لكن تأثيرهما على العلاقات الدولية يكشف أن كليهما يتحرك ضمن إطار واحد يعيد تشكيل النظام العالمي. فالاستقرار الغربي أصبح مهدداً في الساحتين، بينما ترى قوى أخرى في هذه اللحظة فرصة لتغيير معادلة النفوذ الدولي.
وفي هذا السياق، يسعى كارني وماكرون إلى بلورة صيغة مشتركة تمنع تمدد الفوضى إلى ساحات جديدة، ويرى الطرفان أن القوة وحدها لن تقود إلى نتائج مستدامة، وأن الطريق نحو «سلام عادل ودائم» يمر عبر الضغوط الدبلوماسية المدروسة، ولذلك ركزا على أهمية بناء تحالفات دولية داعمة للحل السياسي وإقناع الأطراف المترددة بأن استمرار الحربين سيؤدي إلى انفجار أزمات أكثر اتساعاً.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الرؤية المشتركة بين باريس وأوتاوا هو التوازن بين المبادئ الإنسانية والمصالح الاستراتيجية، ففي أوكرانيا، يتمسك الغرب بالدفاع عن السيادة الأوكرانية، بينما في غزة يتعرض لانتقادات واسعة بسبب بطء التحركات لوقف الأزمة الإنسانية. رغم ذلك، حاول الطرفان البحث عن صياغة توازن بين الحالتين دون خسارة المصداقية السياسية.
كما يؤمن الزعيمان بأن تعزيز الشراكات الدولية هو الطريق الأمثل لمواجهة التحديات، بدلاً من الانجرار إلى عزلة سياسية، ولذلك ناقشا توسيع التعاون في مجالات الطاقة والمعادن الحيوية والدفاع، باعتبارها ملفات تمنح البلدين نفوذاً أكبر في مسارات الحل.
رسائل إلى موسكو وتل أبيب وكييف
يحاول الطرفان إرسال رسالة واضحة إلى موسكو مفادها أن الغرب لن يتراجع عن دعم كييف، وأن أي تسوية يجب أن تتم بمشاركة القيادة الأوكرانية وبضمانات أمنية حقيقية. ويأمل الطرفان أن تدفع هذه الرسالة روسيا إلى إعادة النظر في حساباتها أو فتح الباب أمام مفاوضات تضع نهاية لحرب طويلة الأمد.
أما في ملف غزة، فيستخدم كارني وماكرون لغة دبلوماسية متوازنة لكنها تحمل تحذيراً مبطناً لإسرائيل: استمرار التدهور الإنساني سيُفقد المجتمع الدولي صبره، وسيقود إلى ضغوط غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه، يشير الموقف المشترك إلى دعم أي ترتيبات تضمن أمن السكان وتمنع تجدد المواجهات.
وفي أوكرانيا، يؤكد الطرفان أن دعم كييف ليس مجرد موقف سياسي بل هو اختبار لمصداقية النظام الدولي ومتانة التحالفات الغربية، ولذلك يشددان على ضرورة توفير ضمانات أمنية قوية تمنع تكرار سيناريوهات التصعيد في المستقبل، وتعزز قدرة أوكرانيا على فرض شروط عادلة في أي مفاوضات مقبلة.
ويأتي هذا الموقف في سياق أوروبي مأزوم تحاصره تداعيات الحرب وتحديات الطاقة والضغوط الاقتصادية، ولذلك تحاول باريس عبر تعاونها مع كندا بناء خط دفاع سياسي ودبلوماسي يمنح أوروبا مساحة أكبر لمواجهة المستقبل دون الانجرار إلى صراعات غير محسوبة.
فرص النجاح وحدود الرؤية المشتركة
يدرك الطرفان أن الطريق نحو السلام مليء بالتحديات، لكنهما يؤمنان بأن الإرادة السياسية المشتركة قادرة على فتح الباب أمام مفاوضات حقيقية، خاصة إذا تم تعزيزها بتحالفات دولية داعمة للحلول الدبلوماسية بدلاً من التصعيد.
غير أن العقبات لا تزال كبيرة، بدءاً من غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة، مروراً بتضارب المصالح الدولية، وصولاً إلى صعوبة توحيد مواقف القوى الكبرى داخل مجموعة العشرين، ومع ذلك، يحاول كارني وماكرون تجاوز هذه العقبات عبر بناء مساحات مشتركة تتيح التقارب وتمنع الانقسام.
وتضع فرنسا على عاتقها مسؤولية صياغة موقف أوروبي موحد مع استعدادها لرئاسة مجموعة السبع، وهو ما يجعل التعاون مع كندا خطوة محورية في المرحلة المقبلة، خصوصاً في الملفات الأكثر حساسية مثل غزة وأوكرانيا. ويأمل الطرفان أن يؤدي هذا التقارب إلى حلول أكثر توازناً وواقعية.
وفي ظل الانقسامات الدولية الحالية، يشكل التوافق الكندي–الفرنسي اختباراً لقدرة النظام الدولي على التعامل مع الأزمات بعيداً عن منطق القوة، ويرى الطرفان أن نجاح هذه الرؤية قد يفتح الباب أمام مقاربات جديدة تُعيد للدبلوماسية حضورها المفقود في السنوات الأخيرة.
موقف يجمع بين المبادئ والواقعية
يشير أندريه لوران، محلل فرنسي في الشؤون الأوروبية، إلى أن فرنسا تحاول صياغة موقف يجمع بين المبادئ والواقعية، ويرى أن ماكرون يدرك أن الحلول العسكرية لن تنهي الصراع في أوكرانيا أو غزة، لذلك يدفع باتجاه مسار دبلوماسي أكثر شمولاً قادر على استيعاب مواقف مختلف الأطراف دون الدخول في صدامات غير محسوبة.
ويرى لوران أن استمرار الحرب في أوكرانيا سيزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية على أوروبا، ما يجعل أي مبادرة مشتركة بين باريس وأوتاوا خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار، ويعتبر أن الضمانات الأمنية التي يطالب بها الطرفان قد تشكّل أساساً لاتفاق مستقبلي أكثر اتزاناً.
أما في ملف غزة، فيرى لوران أن فرنسا تحاول الحفاظ على صورة الغرب الدولية عبر الدفع نحو معالجة إنسانية سريعة وفعالة، لأن تجاهل الأزمة سيؤدي إلى تراجع نفوذ الغرب في الشرق الأوسط ويفتح المجال أمام لاعبين آخرين لملء الفراغ.
ويؤكد لوران أن نجاح المبادرة الكندية–الفرنسية يعتمد على قدرة الطرفين على حشد دعم دولي واسع، خصوصاً من القوى المؤثرة داخل مجموعة العشرين، ويرى أن اللحظة الدولية الحالية قد تكون مناسبة لطرح مقاربة جديدة تتجاوز الجمود السياسي.
خلق توافقات في المنطقة
يرى مايكل هاربر، باحث كندي في العلاقات الدولية، أن كارني يسعى إلى ترك بصمة واضحة مع نهاية رئاسته لمجموعة السبع، وأن اللقاء مع ماكرون يمثل فرصة لكندا لإعادة تفعيل دورها الدولي كوسيط قادر على خلق توافقات واسعة، ويشير إلى أن التعاون مع فرنسا، خصوصاً في مرحلة انتقال القيادة داخل مجموعة السبع، يمنح أوتاوا ثقلاً أكبر في الملفات الساخنة.
ويعتقد هاربر أن قدرة كندا على لعب دور محوري في ملفات أوكرانيا وغزة تعتمد على مدى نجاحها في توسيع شراكاتها مع القوى الكبرى، وعلى رأسها فرنسا، بما يسمح بخلق مسار سياسي بديل عن التوترات العسكرية، ويرى أن هذه اللحظة الدولية قد تكون مناسبة لبناء تحالفات جديدة تعيد للدبلوماسية دورها.
ويؤكد هاربر أن كندا تسعى عبر هذا التقارب مع باريس إلى إعادة صياغة دورها العالمي، ليس كدولة تابعة للمواقف الأميركية، بل كحليف مستقل يمتلك القدرة على التأثير في ملفات الأمن العالمي، ويشير إلى أن مستقبل هذه الرؤية سيعتمد على مدى قدرتها على جذب دعم أوسع من بقية دول مجموعة العشرين.
ويختم هاربر بأن الرؤية المشتركة بين كارني وماكرون تمثل نموذجاً يمكن البناء عليه إذا ما أرادت الدول الغربية استعادة ثقة المجتمع الدولي عبر حلول تستند إلى القانون الدولي وليس إلى موازين القوة فقط، وهو ما يمنح المبادرة فرصة حقيقية لتصبح نقطة انطلاق في مسار تسويات مقبلة.






